ولعل العدول عن الأمر باستقبال الكعبة في صدر الإسلام كان لخضد شوكة مكابرة قريش وطعنهم في الإسلام فإنه لو استقبل مكة لشمخوا بأنوفهم وقالوا هذا بلدنا ونحن أهله واستقباله حنين إليه وندامة على الهجرة منه كما قد يكون قوله تعالى ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله ) وقوله ( ولله المشرق والمغرب ) إيماء إليه كما قدمنا وعليه ففي تحويل القبلة إلى الكعبة بعد ذلك بشارة للنبي A بأن أمر قريش قد أشرف على الزوال وأن وقعت بدر ستكون الفيصل بين المسلمين وبينهم ثم أمر الله بتحويل القبلة إلى البيت الذي هو أولى بذلك وإلى جهته للبعيد عنه .
( وإن الذين أوتوا الكتب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغفل عما يعملون [ 144 ] ) اعتراض بين جملة ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) وجملة ( ومن حيث خرجت فول وجهك ) الآية .
والأظهر أن المراد بالذين أوتوا الكتاب أحبار اليهود وأحبار النصارى كما روى عن السدى كما يشعر به التعبير عنهم بصلة ( أوتوا الكتب ) دون أن يقال وإن أهل الكتاب .
ومعنى كونهم يعلمون أنه الحق أن علمهم بصدق محمد A حسب البشارة به في كتبهم يتضمن أن ما جاء به حق .
والأظهر أيضا أن المراد بالذين أوتوا الكتاب هم الذين لم يزالوا على الكفر ليظهر موضع قوله ( وأن الذين أوتوا الكتب ليعلمون أنه الحق من ربهم ) فإن الإخبار عنهم بأنهم يعلمون أنه الحق مع تأكيده بمؤكدين يقتضي أن ظاهر حالهم إذ أنكروا استقبال الكعبة أنهم أنكروه لاعتقادهم بطلانه وأن المسلمين يظنونهم معتقدين ذلك وليظهر موقع قوله ( وما الله بغافل عما يعملون ) الذي هو تهديد بالوعيد .
وقد دل التعريف في قوله ( أنه الحق ) على القصر أي يعلمون أن الاستقبال للكعبة هو الحق دون غيره تبعا للعلم بنسخ شريعتهم بشريعة الإسلام وقيل إنهم كانوا يجدون في كتبهم أن قبلتهم ستبطل ولعل هذا مأخوذ من إنذارات أنبيائهم مثل أرميا وأشعيا المنادية بخراب بيت المقدس فإن استقباله يصير استقبال للشيء المعدوم .
وقوله ( وما الله بغفل عما يعملون ) قرأه الجمهور بياء الغيبة والضمير للذين أوتوا الكتاب أي عن علمهم بغير ما علموا فالمراد بما يعملون هذا العمل ونحوه من المكابرة والعناد والسفه . وهذا الخبر كناية عن الوعيد بجزائهم عن سوء صنعهم لأن قول القادر ما أنا بغافل عن المجرم تحقيق لعقابه إذ لا يحول بين القادر وبين الجزاء إلا عدم العلم فلذلك كان وعيدا لهم ووعيدهم يستلزم في المقام الخطابي وعدا للمسلمين لدلالته على عظيم منزلتهم فإن الوعيد إنما ترتب على مخالفتهم للمؤمنين فلا جرم أن سيلزم جزاء للمؤمنين على امتثال تغيير القبلة ولأن الذي لا يغفل عن عمل أولئك لا يغفل عن عمل هؤلاء فيجازى كلا بما يستحق .
وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر وروح عن يعقوب بتاء الخطاب فهو كناية عن وعد المسلمين على الامتثال لاستقبال الكعبة .
ويستلزم وعيدا للكافرين على عكس ما تقتضيه القراءة السابقة ؛ وعلى القراءتين فهو تذييل إجمالي ليأخذ كل حظه منه وهو اعتراض بين جملة ( وإن الذين أوتوا ) وجملة ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتب ) الآية .
وفي قوله ( ليعلمون ) وقوله ( عما يعملون ) الجناس التام المحرف على قراءة الجمهور والجناس الناقص المضارع على قراءة ابن عامر ومن وافقه .
( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين [ 145 ] ) ولئن أتيت عطف على قوله ( وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون ) والمناسبة أنهم يعلمون ولا يعلمون فلما أفيد أنهم يعلمون أنه الحق على الوجه المتقدم في إفادته التعريض بأنهم مكابرون ناسبت أن يحقق نفي الطمع في اتباعهم القبلة لدفع توهم أن يطمع السامع باتباعهم لأنهم يعلمون أحقيتها فلذا أكدت الجملة الدالة على نفي اتباعهم بالقسم واللام الموطئة وبالتعليق على أقصى ما يمكن عادة .
A E