وهذا الفريق هم المشركون فإن الكفر يطلق كثيرا في القرآن مرادا به الشرك قال تعالى ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) وذلك أن المشركين قد قرنوا سابقا مع أهل الكتاب قال تعالى ( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ) الآية ( وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم ) فلما استؤنف الكلام ببيان لعنة أهل الكتاب الذين يكتمون عقب ذلك ببيان عقوبة المشركين أيضا فالقول في الاستئناف هنا كالقول في الاستئناف في قوله ( إن الذين يكتمون ) من كونه بيانيا أو مجردا .
وقال الفخر الذين كفروا عام وهو شامل للذين يكتمون وغيرهم والجملة تذييل أي لما فيها من تعميم الحكم بعد إناطته ببعض الأفراد وجعل في الكشاف المراد من الذين كفروا خصوص الذين يكتمون وماتوا على ذلك وأنه ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتا وهو بعيد عن معنى الآية لأن إعادة وكفروا لا نكتة لها للاستغناء بأن يقال والذين ماتوا وهم كفار على أنه مستغنى عن ذلك أيضا بأنه مفاد الجملة السابقة مع استثنائها واللعنة لا يظهر أثرها إلا بعد الموت فلا معنى لجعلها لمنتين ولأن تعقيبه بقوله ( وإلهكم إله واحد ) يؤذن بأن المراد هنا المشركون لتظهر مناسبة الانتقال .
وإنما قال هنا ( والناس أجمعين ) لأن المشركين يلعنهم أهل الكتاب وسائر المتدينين الموحدين للخالق بخلاف الذين يكتمون ما أنزل من البينات فإنما يعلنهم الله والصالحون من أهل دينهم كما تقدم وتلعنهم الملائكة وعموم الناس عرفي أي الذين هم من أهل التوحيد .
وقوله ( خالدين فيها ) تصريح بلازم اللعنة الدائمة فالضمير عائد لجهنم لأنها معروفة من المقام مثل ( حتى توارت بالحجاب ) ( كلا إذا بلغت التراقي ) ويجوز أي يعود إلى اللعنة ويراد أثرها ولازمها .
وقوله ( لا يخفف عنهم العذاب ) أي لأن كفرهم عظيم يصدهم عن خيرات كثيرة بخلاف كفر أهل الكتاب .
والإنظار الإمهال نظره نظرة أمهله والظاهر أن المراد ولا هم يمهلون في نزول العذاب بهم في الدنيا وهو عذاب القتل إذ لا يقبل منهم إلا الإسلام دون الجزية بخلاف أهل الكتاب وهذا كقوله تعالى ( إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ) وهي بطشة يوم بدر .
وقيل ( ينظرون ) هنا من نظر العين وهو يتعدى بنفسه كما يتعدى بإلى أي لا ينظر الله إليهم يوم القيامة وهو كناية عن الغضب والتحقير .
وجئ بالجملة الاسمية هنا لدلالتها على الثبات والاستقرار بخلاف قوله ( أولئك يلعنهم الله ) فالمقصود التجدد ليكونوا غير آيسين من التوبة .
( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمان الرحيم [ 163 ] ) معطوف على جملة ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ) .
والمناسبة أنه لما ذكر ما ينالهم على الشرك من اللعنة والخلود في النار بين أن الذي كفروا به وأشركوا هو إله واحد وفي هذا العطف زيادة ترجيح لما انتميناه من كون المراد من الذين كفروا المشركين لأن أهل الكتاب يؤمنون بإله واحد .
والخطاب بكاف الجمع لكل من يتأتى خطابه وقت نزول الآية أو بعده من كل قارئ للقرآن وسامع فالضمير عام والمقصود به ابتداء المشركون لأنهم جهلوا أن الإله لا يكون إلا واحدا .
والإله في كلام العرب هو المعبود ولذلك تعددت الآلهة عندهم وأطلق لفظ الإله على كل صنم عبدوه وهو إطلاق ناشئ عن الضلال في حقيقة الإله لأن عبادة من لا يغنى عن نفسه ولا عن عابده شيئا عبث وغلط فوصف الإله هنا بالواحد لأنه في نفس الأمر هو المعبود بحق فليس إطلاق الإله على المعبود بحق نقلا في لغة الإسلام ولكنه تحقيق للحق .
وما ورد في القرآن من إطلاق جمع الآلهة على أصنامهم فهو في مقام التغليط لزعمهم نحو ( فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون ) والقرينة هي الجمع ولذلك لم يطلق في القرآن الإله بالإفراد على المعبود بغير حق وبهذا تستغنى عن إكداد عقلك في تكلفات تكلفها بعض المفسرين في معنى وإلهكم إله واحد .
A E