( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين [ 96 ] فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ) هذا الكلام واقع موقع التعليل للأمر في قوله ( فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ) لأن هذا البيت المنوه بشأنه كان مقاما لإبراهيم ففضائل هذا البيت تحقق فضيلة شرع بانيه في متعارف الناس فهذا الاستدلال خطابي وهو أيضا إخبار بفضيلة الكعبة وحرمتها " فيما مضى من الزمان " .
وقد آذن بكون الكلام تعليلا موقع ( إن ) في أوله فإن التأكيد بإن هنا لمجرد الاهتمام وليس لرد إنكار منكر أو شك شاك .
ومن خصائص ( إن ) إذا وردت في الكلام لمجرد الاهتمام أن تغني غناء فاء التفريع وتفيد التعليل والربط كما في دلائل الإعجاز .
ولما في هذه من إفادة الربط استغني عن العطف لكون ( إن ) مؤذنة بالربط . وبيان وجه التعليل أن هذا البيت لما كان أول بيت وضع للهدى وإعلان توحيد الله ليكون علما مشهودا بالحس على معنى الوحدانية ونفي الإشراك فقد كان جامعا لدلائل الحنيفية فاذا ثبت له شرف الأولية ودوام الحرمة على ممر العصور دون غيره من الهياكل الدينية التي نشأت بعده وهو ماثل كان ذلك دلالة إلهية على أنه بمحل العناية من الله تعالى فدل على أن الدين الذي قارن إقامته هو الدين المراد لله وهذا يؤول إلى معنى قوله ( إن الدين عن الله الإسلام ) .
وهذا التعليل خطابي جار على طريقة اللزوم العرفي .
وقال الواحدي عن مجاهد : تفاخر المسلمون واليهود فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة . وقال المسلمون : بل الكعبة أفضل . فأنزل الله هذه الآية .
و ( أول ) اسم للسابق في فعل ما فإذا أضيف إلى اسم جنس فهو السابق من جنس ذلك المضاف إليه في الشأن المتحدث عنه .
والبيت بناء يأوي واحدا أو جماعة فيكون بيت سكنى وبيت صلاة وبيت ندوة ويكون مبنيا من حجر أو من أثواب نسيج شعر أو صوف ويكون من أدم فيسمى قبة قال تعالى ( وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ) .
ومعنى ( وضع ) أسس وأثبت ومنه سمي المكان موضعا وأصل الوضع أنه الحط ضد الرفع ولما كان الشيء المرفوع لمعنى الإدناء للمتناول والتهيئة للانتفاع .
و ( الناس ) تقدم في قوله تعالى ( ومن الناس من يقول آمنا بالله ) " في سورة البقرة " .
و ( بكة ) اسم مكة . وهو لغة " بإبدال الميم باء " في كلمات كثيرة عدت من المترادف : مثل لازب في لازم وأربد وأرمد أي في لون لرماد وفي سماع ابن القاسم من العتبية عن مالك : أن بكة بالباء اسم موضع البيت وأن مكة بالميم اسم بقية الموضوع فتكون باء الجر " هنا لظرفية مكان البيت خاصة . لا لسائر البلد الذي فيه البيت والظاهر عندي أن بكة اسم بمعنى البلدة وضعه إبراهيم علما على المكان الذي عينه لسكنى ولده بنية أن يكون بلدا فيكون أصله من اللغة الكلدانية لغة إبراهيم ألا ترى أنهم سموا مدينة ( بعلبك ) أي بلد بعل وهو معبود الكلدانيين ومن أعجاز القرآن هذا اللفظ عند ذكر كونه أول بيت فلاحظ أيضا الاسم الأول ويؤيد قوله ( رب هذه البلدة ) وقوله ( رب اجعل هذا البلد آمنا ) . وقد قيل : إن بكة مشتق من البك وهو الازدحام ولا أحسب قصد ذلك لواضع الاسم .
وعدل عن تعريف البيت باسمه العلم بالغلبة وهو الكعبة إلي تعريفه بالموصولية بأنه ( الذي ببكة ) : لان هذه الصلة صارت أشهر في تعينه عند السامعين إذ ليس في مكة يومئذ بيت للعبادة غيره بخلاف اسم الكعبة : فقد أطلق اسم الكعبة على القليس الذي بناه الحبشة في صنعاء لدين النصرانية ولقبوه الكعبة اليمانية .
A E