والخوان جمع الأخ مثل الأخوة وقيل : يختص الأخوان بالأخ المجازي والأخوة بالأخ الحقيقي ولي بصحيح قال تعالى ( أو بيوت إخوانكم ) وقال ( إنما المؤمنون أخوة ) وليس يصح أن يكون للمعنى المجازي صيغة خاصة في الجمع أو المفرد وإلا لبطل كون اللفظ مجازا وصار مشتركا لكن للاستعمال أن يغلب إطلاق إحدى الصيغتين الموضوعتين لمعنى واحد فيغلبها في المعنى المجازي والأخرى في الحقيقي .
وقد امتن الله عليهم بتغيير أحوالهم من أشنع حالة إلى أحسنها : فحالة كانوا عليها هي حالة العداوة والتفاني والتقاتل وحالة أصبحوا عليها وهبي حالة الأخوة ولا يدرك الفرق بين الحالين إلا من كانوا في السوأى فأصبحوا في الحسنى والناس إذا كانوا في حالة بؤس وضنك واعتادوها صار الشقاء دأبهم وذلت له نفوسهم فلم يشعروا بما هم فيه ولا يتفطنوا لوخيم عواقبه حتى إذا هيئ لهم الصلاح وأخذ يتطرق إليهم استفاقوا من شقوتهم وعلموا سوء حالتهم ولأجل هذا المعنى جمعت لهم هذه الآية في الامتنان بين ذكر الحالتين وما بينهما فقالت ( إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ) .
وقوله ( بنعمته ) الباء فيه للملابسة بمعنى ( مع ) أي أصبحتم إخوانا مصاحبين نعمة الله وهي نعمة الأخوة كقول الفضل بن عباس بن عتبة اللهبي : .
كلله نية في بغض صاحبه ... بنعمة الله نقليكم وتقلونا وقوله ( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) عطف على ( كنتم أعداء ) فهو نعمة أخرى وهي نعمة الإنقاذ من حالة أخرى بئيسة وهي حالة الإشراف على المهلكات .
والشفا مثل الشفة هو حرف القليب وطرفه وألف مبدله واو . وأما واو شفة فقد حذفت وعوضت عنها الهاء مثل سنة وعزة إلا أنهم لم يجمعوه على شفوات ولا على شفتين بل قالوا شفاه كأنهم اعتدوا بالهاء كالأصل .
فأرى أن شفا حفرة النار هنا تمثيل لحالهم في الجاهلية حين كانوا على وشك الهلاك والتفاني الذي عبر عنه زهير بقوله : .
" تفانوا ودقوا بينهم منشم A E بحال قوم بلغ بهم المشي إلى شفا حفير من النار كالأخدود فليس بينهم وبين الهلاك السريع التام إلا خطوة قصيرة واختيار الحالة المشبه بها هنا لأن النار أشد المهلكات إهلاكا وأسرعها وهذا هو المناسب في حمل الآية ليكون الامتنان بنعمتين محسوستين هما : نعمة الأخوة بعد العداوة ونعمة السلامة بعد الخطر كما قال أبو الطيب : .
" نجاة من البأساء بعد وقوع والإنقاذ من حالتين شنيعتين . وقال جمهور المفسرين : أراد نار جهنم وعلى قولهم هذا يكون قوة ( شفا حفرة ) مستعارا للاقتراب استعارة المحسوس للمعقول . والنار حقيقة ويبعد هذا المحمل قوله تعالى ( حفرة ) إذ ليست جهنم حفرة بل عالم عظيم للعذاب . ورد في الحديث " فإذا هي مطوية كطي البئر وإذا لها قرنان " ولكن ذلك رؤيا جاءت على وجه التمثيل وإلا فهي لا يحيط بها النظر . ويكون الامتنان على هذا امتنانا عليهم بالإيمان بعد الكفر وهم ليقينهم بدخول الكفرة النار علموا أنهم كانوا على شفاها . وقيل : أراد نار الحرب وهو بعيد جدا لأن نار الحرب لا توقد في حفرة بل توقد في العلياء ليراها من كان بعيدا كما قال الحارث : .
وبعينيك أوقدت هند النار ... عشاء تلوى بها العلياء .
فتنورت نارها من بعيد ... بخزازي أيان منك الصلاء ولأنهم كانوا ملابسين لها ولم يكونوا على مقاربتها .
والضمير في ( منها ) للنار على التقادير الثلاثة . ويجوز على التقدير الأول أن يكون لشفا حفرة وعاد عليه بالتأنيث من المضاف إليه كقول الأعشى : .
وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم وقوله ( كذلك يبين الله لكم آياته ) نعمة أخرى وهي نعمة التعليم والإرشاد وإيضاح الحقائق حتى تكمل عقولهم ويتبينوا ما فيه صلاحهم . والبيان هنا بمعنى الإظهار والإيضاح . والآيات يجوز أن يكون المراد بها النعم كقول الحرث بن حلزة : .
من لنا عنده من الخير آيا ... ت ثلاث في كلهن القضاء