وانتصب ( طعنا في الدين ) على المفعول لأجله فهو من عطف بعض المفاعيل على بعض آخر ولا ضير فيه ولك أن تجعلهما معا مفعولين مطلقين أو مفعولين لأجلهما وإنما كان قولهم ( طعنا في الدين ) لأنهم أضمروا في كلامهم قصدا خبيثا فكانوا يقولون لإخوانهم ومن يليهم من حديثي العهد بالإيمان : لو كان محمد رسولا لعلم ما أردنا بقولنا فلذلك فضحهم الله بهذه الآية ونظائرها .
وقوله ( ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ) أي لو قالوا ما هو قبول للإسلام لكان خيرا . وقول ( يمعنا وأطعنا ) يشبه أنه مما جرى مجرى المثل بقول من أمر بشيء وامتثله ( سمع وطاعة ) أي شأني سمع وطاعة وهو مما التزم فيه حذف المبتدإ لأنه جرى مجرى المثل وسيجيء في سورة النور قوله تعالى ( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ) .
وقوله ( وأقوم ) تفضيل مشتق من القيام الذي هو بمعنى الوضوح والمظهور كقولهم : قام الدليل على كذا وقامت حجة فلان . وإنما كان أقوم لأنه دال على معنى لا احتمال فيه بخلاف قولهم .
والاستدراك في قوله ( ولكن لعنهم الله بكفرهم ) ناشئ عن قوله ( لكان خيرا لهم ) أي ولكن أثر اللعنة حاق بهم فحرموا ما هو خير فلا ترشح نفوسهم إلا بآثار ما هو كمين فيها من فعل سيئ وقول بذاء لا يستطيعون صرف أنفسهم عن ذلك .
ومعنى ( فلا يؤمنون إلا قليلا ) أنهم لا يؤمنون أبدا فهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضده وأطلق القلة على العدم وفسر به قول تأبط شرا : .
قليل التشكي للمهم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك قال الجاحظ في كتاب البيان عند قول عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يصف أرض نصيبين " كثيرة العقارب قليلة الأقارب " يضعون " قليلا " في موضع " ليس " كقولهم : فلان قليل الحياء . ليس مرادهم أن هناك حياء وإن قل " . قلت : ومنه قول العرب : قل رجل يقول ذلك يريدون أنه غير موجود . وقال صاحب الكشاف عند قوله تعالى ( أ إله مع الله قليلا ما تذكرون ) " والمعنى نفي التذكير والقلة مستعمل في معنى النفي " . وإنما استعملت العرب القلة عوضا عن النفي لضرب من الاحتراز والاقتصاد فكأن المتكلم يخشى أن يتلقى عموم نفيه بالإنكار فيتنازل عنه إلى إثبات قليل وهو يريد النفي .
( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا [ 47 ] ) أقبل على خطاب أهل الكتاب الذين أريد بهم اليهود بعد أن ذكر من عجائب ضلالهم وإقامة الحجة عليهم ما فيه وازع لهم لو كان بهم وزع وكذلك شأن القرآن أن لا يفلت فرصة تعن من فرص الموعظة والهدى إلا انتهزها وكذلك شأن الناصحين من الحكماء والخطباء أن يتوسموا أحوال تأثر نفوس المخاطبين ومظان ارعوائها عن الباطل وتبصرها في الحق فيندوها حينئذ بقاورع الموعظة والإرشاد كما أشار إليه الحريري في المقامة " 11 " إذ قال " فلما ألحدوا الميت وفات قول ليت أشرف شيخ من رباوة متأبطا لهراوة فقال : لمثل هذا فليعمل العاملون " الخ لذلك جئ بقوله ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما تزلنا مصدقا لما معكم ) الآية " عقب ما تقدم " .
وهذا موجب اختلاف الصلة هنا عن الصلة في قوله ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ) لأن ذلك جاء في مقام التعجيب والتوبيخ فناسبته صلة مؤذنة بتهوين شأن علمهم بما أوتوه من الكتاب وما هنا جاء في مقام الترغيب فناسبته صلة تؤذن بأنهم شرقوا بإيتاء التوراة لتثير هممهم للاتسام بميسم الراسخين في جريان أعمالهم على وفق ما يناسب ذلك وليس بين الصلتين اختلاف في الواقع لأنهم أوتوا الكتاب كله حقيقة باعتبار كونه بين أيديهم وأوتوا نصيبا منه باعتبار جريان أعمالهم على خلاف ما جاء به كتابهم فالذي لم يعملوا به منه كأنهم لم يؤتوه