وأدلة الشريعة صريحة في اختلاف مفهوم هذين الوصفين وكون طائفة من اليهود قالوا : عزر ابن الله والنصارى قالوا : المسيح ابن الله لا يقتضي جعلهم مشركين إذ لم يدعوا مع ذلك لهذين إلهية تشارك الله تعالى واختلاف الأحكام التكليفية بين الكفرين دليل على أن لا يراد بهذا اللفظ مفهوم مطلق الكفر على أنه ماذا يغني هذا التأويل إذا كان بعض الكفرة لا يقول بإلهية غير الله مثل معظم اليهود .
وقد اتفق المسلمون كلهم على أن التوبة من الكفر أي الإيمان يوجب مغفرته سواء كان كفر إشراك أن كفرا بالإسلام لا شك في ذلك إما بوعد الله عند أهل السنة أو بالوجوب العقلي عند المعتزلة ؛ وأن الموت على الكفر مطلقا لا يغفر بلا شك إما بوعيد الله أو بالوجوب العقلي ؛ وأن المذنب إذا تاب يغفر ذنبه قطعا إما بوعد الله أو بالوجوب العقلي . واختلف في المذنب إذا مات على ذنبه ولم يتب أو لم يكن له من الحسنات ما يغطي على ذنوبه فقال أهل السنة : يعاقب ولا يخلد في العذاب بنص الشريعة لا بالوجوب وهو معنى المشيئة فقد شاء الله ذلك وعرفنا مشيئته بأدلة الكتاب والسنة .
وقال المعتزلة والخوارج : هو في النار خالدا بالوجوب العقلي وقال المرجئة : لا يعاقب بحال وكل هاته الأقسام داخل في إجمال ( لمن يشاء ) .
وقوله ( ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) زيادة في تشنيع حال الشرك . والافتراء : الكذب الذي لا شبهة للكاذب فيه لأنه مشتق من الفري . وهو قطع الجلد . وهذا مثل ما أطلقوا عليه لفظ الاختلاق من الخلق . وهو قطع الجلد وتقدم عند قوله تعالى ( قال كذلك الله يخلق ما يشاء ) في سورة آل عمران . والإثم العظيم : الفاحشة الشديدة .
( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا [ 49 ] انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا [ 50 ] ) تعجيب من حال اليهود إذ يقولون " نحن أبناء الله وأحباؤه " وقالوا " لن يدخل الجنة إلا من كان هودا " ونحو ذلك من إدلالهم الكاذب .
وقوله ( بل الله يزكي من يشاء ) إبطال لمعتقدهم بإثبات ضده وهو أن التزكية شهادة من الله ولا ينفع أحدا أن يزكي نفسه . وفي تصدير الجملة ب ( بل ) تصريح بإبطال تزكيتهم . وأن الذين زكوا أنفسهم لا حظ لهم في تزكية الله وأنهم ليسوا ممن يشاء الله تزكيته ولو لم يذكر ( بل ) فقيل و ( الله يزكي من يشاء ) لكان لهم مطمع أن يكونوا ممن زكاه الله تعالى .
ومعنى ( ولا يظلمون فتيلا ) أي أن الله لم يحرمهم ما هم به أحرياء وأن تزكية الله غيرهم لا تعد ظلما لهم لأن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل ولا يظلم أحدا .
والفتيل : شبه خيط في شق نواة التمرة وقد شاع استعارته للقلة إذ هو لا ينتفع به ولا له مرأى واضح .
وانتصب ( فتيلا ) على النيابة عن المفعول المطلق لأنه على معنى التشبيه إذ التقدير : ظلما كالفتيل أي بقدره فحذفت أداة التشبيه وهو كقوله ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة ) .
A E وقوله ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) جعل افتراءهم الكذب لشدة تحقق وقوعه كأنه أمر مرئي ينظره الناس بأعينهم وإنما هو مما يسمع ويعقل وكلمة ( وكفى به إثما مبينا ) نهاية في بلوغه غاية الإثم كما يؤذن به تركيب ( كفى به كذا ) وقد تقدم القول في ( كفى ) عند قوله آنفا ( وكفى بالله شهيدا ) .
( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا [ 51 ] أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا [ 52 ] ) أعيد التعجيب من اليهود الذين أوتوا نصيبا من الكتاب بما هو أعجب من حالهم التي مر ذكرها في قوله ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ) ؛ فإن إيمانهم بالجبت والطاغوت وتصويبهم للمشركين تباعد منهم عن أصول شرعهم بمراحل شاسعة لأن أول قواعد التوراة وأولى كلماتها العشر هي ( لا يكن لك آلهة أخرى أمامي لا تصنع لك تمثالا منحوتا لا تسجد لهن ولا تعبدهن ) . وتقدم بيان تركيب ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ) آنفا في سورة آل عمران