والجبت : كلمة معربة من الحبشية أي الشيطان واليحر ؛ لأن مادة : ج - ب - ت مهملة في العربية فتعين أن تكون هذه الكلمة دخيلة . وقيل : أصلها جبس : وهو ما لا خير فيه فأبدلت السين تاء كما أبدلت في قول علباء بن أرقم : يا لعن الله بني السعلات عمرو بن يربوع شرار النات ليسوا أعفاء ولا أكيات أي شرار الناس ولا بأكياس وكما قالوا : الجت بمعنى الجس .
والطاغوت : الأصنام كذا فسره الجمهور هنا ونقل عن مالك بن أنس . وهو اسم يقع على الواحد والجمع فيقال : للصنم طاغوت وللأصنام طاغوت فهو نظير طفل وفلك . ولعل التزام اقترانه بلام تعريف الجنس هو الذي سوغ إطلاقه على الواحد والجمع نظير الكتاب والكتب . ثم لما شاع ذلك طردوه حتى في حالة تجرده عن اللام قال تعالى ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ) فأفرده وقال ( والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها ) وقال ( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم ) الخ . وهذا الاسم مشتق من طغى يطغوا إذا تعاظم وترفع وأصله مصدر بوزن فعلوت للمبالغة مثل : رهبوت وملكوت ورحموت وجبروت فأصله طغووت فوقع فيه قلب مكاني بتقديم لام الكلمة على عينها فصار طوغوت بوزن فلعوت والقصد من هذا القلب تأتي إبدال الواو ألفا بتحركها وانفتاح ما قبلها وهم قد يقلبون حروف الكلمة ليتأتى الإبدال كما قلبوا أرءام جمع ريم إلى آرام ليتأتى إبدال الهمزة الثانية الساكنة ألفا بعد الأولى المفتوحة وقد ينزلون هذا الاسم منزلة المفرد فيجمعونه جمع تكسير على طواغيت ووزنه فعاليل وورد في الحديث : " لا تحلفوا بالطواغيت " . وفي كلام ابن المسيب في صحيح البخاري : البحيرة التي يمنع درها للطواغيت .
وقد يطلق الطاغوت على عظيم أهل الشرك كالكاهن وفيهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب فإنهم بعد وقعة أحد طمعوا أن يسعوا في استئصال المسلمين فخرجوا إلى مكة ليحالفوا المشركين على قتال المسلمين فنزل كعب عند أبي سفيان ونزل بقيتهم في دور قريش فقال لهم المشركون " أنتم أهل كتاب ولعلكم أن تكونوا أدنى إلى محمد وأتباعه منكم إلينا فلا نأمن مكركم " فقالوا لهم " إن عبادة الأصنام أرضى عند الله مما يدعوا إليه محمد وأنتم أهدى سبيلا " فقال لهم المشركون " فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم " ففعلوا ونزلت هذه الآية إعلاما من الله لرسوله بما بيته اليهود وأهل مكة .
واللام في قوله ( للذين كفروا ) لام العلة أي يقلون لأجل الذين كفروا وليس لام تعدية فعل القول . وأريد بهم مشركوا مكة وذلك اصطلاح القرآن في إطلاق صفة الكفر أنه الشرك والإشارة بقوله ( هؤلاء أهدى ) إلى الذين كفروا وهو حكاية للقول بمعناه لأنهم إنما قالوا " أنتم أهدى من محمد وأصحابه " أو قال بعض اليهود لبعض في شأن أهل مكة " هؤلاء أهدى " أي حين تناجوا وزوروا ما سيقولونه وكذلك قوله ( من الذين آمنوا ) حكاية لقولهم بالمعنى نداء على غلطهم لأنهم إنما قالوا ( هؤلاء أهدى من محمد وأتباعه ) وإذ كان محمد وأتباعه مؤمنين فقد لزم من قولهم : إن المشركين أهدى من المؤمنين . وهذا محل التعجيب .
A E وعقب التعجيب بقوله ( أولئك الذين لعنهم الله ) . وموقع اسم الإشارة هنا في نهاية الرشاقة لأن من بلغ من وصف حاله هذا المبلغ صار كالمشاهد فناسب بعد قوله ( ألم تر ) أن يشار إلى هذا الفريق المدعى أنه مرئي فيقال : ( أولئك ) . وفي اسم الإشارة تنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما سيذكر من الحكم لأجل ما تقدم من أحوالهم .
والصلة التي في قوله ( الذين لعنهم الله ) ليس معلوما للمخاطبين اتصاف المخبر عنهم بها اتصاف من اشتهر بها ؛ فالمقصود أن هؤلاء هم الذين إن سمعتم بقوم لعنهم الله فهم هم .
ويجوز أن يكون المسلمون قد علموا أن اليهود ملعونون فالمقصود من الصلة هو ما عطف عليها بقوله ( ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ) . والموصول على كلا الاحتمالين فيه إيماء إلى تعليل الإخبار الضمني عنهم : بأنهم لا نصير لهم لأنهم لعنهم الله والذي يلعنه لا نصير له . وهذا مقابل قوله في شأن المسلمين ( والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا )