( أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا [ 53 ] أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما [ 54 ] فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا [ 55 ] ) ( أم ) للإضراب الانتقالي وهي تؤذن بهمزة استفهام محذوفة بعدها أي : بل ألهم نصيب من الملك فلا يؤتون الناس نقيرا .
والاستفهام إنكاري حكمه حكم النفي . والعطف بالفاء على جملة ( لهم نصيب ) وكذلك ( إذن ) هي جزاء لجملة ( لهم نصيب ) واعتبر الاستفهام داخلا على مجموع الجملة وجزائها معا لأنهم ينتفي إعطاؤهم الناس نفيرا على تقدير ثبوت الملك لهم لا على انتفائه . وهذا الكلام تهكم عليهم في انتظارهم أن يرجع إليهم ملك إسرائيل وتسجيل عليهم بالبخل الذي لا يؤاتي من يرجون الملك . كما قال أبو الفتح البستي : .
إذا ملك لم يكن ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه وشحهم وبخلهم معروف مشهور .
والنقير : شكلة في النواة كالدائرة يضرب بها المثل في القلة .
ولذلك عقب هذا الكلام بقوله ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فصله ) .
والاستفهام المقدر بعد ( أم ) هذه إنكار على حسدهم وليس مفيدا لنفي الحسد لأنه واقع . والمراد بالناس النبي A والفضل النبوة أو المراد به النبي والمؤمنون والفضل الهدى والإيمان .
وقوله ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ) عطف على مقدر من معنى الاستفهام الإنكاري وتوجيها للإنكار عليهم أي فلا بدع فيما حسدوه إذ قد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة والملك .
وآل إبراهيم : أبناؤه وعقبه ونسله وهو داخل في الحكم لأنهم إنما أعطوه لأجل كرامته عند الله ووعد الله إياه بذلك . وتعريف ( الكتاب ) تعريف الجنس فيصدق بالمتعدد فيشمل صحف إبراهيم وصحف موسى وما أنزل بعد ذلك . والحكمة : النبوة . والملك : هو ما وعد الله به إبراهيم أن يعطيه ذريته وما آتى الله داود وسليمان وملوك إسرائيل .
وضمير ( منهم ) يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير ( يحسدون ) . وضمير ( ب ) يعود إلى الناس المراد منه محمد A : أي فمن الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من آمن بمحمد ومنهم من أعرض . والتفريع في قوله ( فمنهم ) على هذا التفسير ناشئ على قوله ( أم يحسدون الناس ) . ويجوز أن يعود ضمير ( فمنهم ) إلى آل إبراهيم وضمير ( به ) إلى إبراهيم أي فقد آتيناهم ما ذكر . ومن آله من آمن به ومنهم من كفر مثل أبيه آزر وامرأة ابن أخيه لوط أي فليس تكذيب اليهود محمدا بأعجب من ذلك ( سنة من قد أرسلنا من رسلنا ) ليكون قد حصل الاحتجاج عليهم في الأمرين في إبطال مستند تكذيبهم بإثبات النبوة ليس ببدع وأن محمدا من آل إبراهيم فليس إرساله بأعجب من إرسال موسى . وفي تذكيرهم بأن هذه سنة الأنبياء حتى لا يعدوا تكذيبهم محمدا A ثلمة في نبوته إذ لا يعرف رسول أجمع أهل دعوته على تصديقه من إبراهيم فمن بعده .
وقوله ( وكفى بجهنم سعيرا ) تهديد ووعيد للذين يؤمنون بالجبت والطاغوت . وتفسير هذا التركيب تقدم في قوله تعالى ( وكفى بالله وليا ) من هذه السورة .
A E ( إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما [ 56 ] والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا [ 57 ] )