تهديد ووعيد لجميع الكافرين فهي أعم مما قبلها فلها حكم التذييل ولذلك فصلت . والإصلاء : مصدر أصلاه ويقال : صلاه صليا ومعناه شي اللحم على النار وقد تقدم الكلام على صلى عند قوله تعالى ( وسيصلون سعيرا ) وقوله ( فسوف نصليه نارا ) في هذه السورة . وتقدم أيضا الكلام على ( سوف ) في الآية الأخيرة . و ( نصليهم ) " بضم النون " من الإصلاء . و ( نضجت ) بلغت نهاية الشي يقال : نضج الشواء إذا بلغ حد الشي ويقال : نضج الطبيخ إذا بلغ حد الطبخ والمعنى : كامن احترقت جلودهم فلم يبق فيها حياة وإحساس بدلناهم أي عوضناهم جلودا غيرها والتبديل يقتضي المغايرة كما تقدم في قوله في سورة البقرة ( أتستبدلون الذي هو أدنى ) . فقوله ( غيرها ) تأكيد لما دل عليه فعل التبديل . وانتصب ( نارا ) على أنه مفعول ثان لأنه من باب أعطى .
وقوله ( ليذوقوا العذاب ) تعليل لقوله ( بدلناهم ) لأن الجلد هو الذي يوصل إحساس العذاب إلى النفس بحسب عادة خلق الله تعالى . فلو لم يبدل الجلد بعد احتراقه لما وصل عذاب النار إلى النفس . وتبديل الجلد مع بقاء نفس صاحبه لا ينافي العدل لأن الجلد وسيلة إبلاغ العذاب وليس هو المقصود بالتعذيب ولأنه ناشئ عن الجلد الأول كما أن إعادة الأجسام في الحشر بعد اضمحلالها لا يوجب أن تكون أناسا غير الذين استحقوا الثواب والعقاب لأنها لما أودعت النفوس التي اكتسبت الخير والشر فقد صارت هي هي ولا سيما إذا كانت إعادتها عن إنبات من إعجاب الأذناب . حسبما ورد به الأثر لأن الناشئ عن الشيء هو منه كالنخلة من النواة .
وقوله ( إن الله كان عزيزا حكيما ) واقع موقع التعليل لما قبله فالعزة يتأتى بها تمام القدرة في عقوبة المجترئ على الله والحكمة يتأتى بها تلك الكيفية في إصلائهم النار .
وقوله ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات ) ذكر هنا للمقابلة وزيادة الغيظ للكافرين . واقتصر من نعيم الآخرة على لذة الجنات والأزواج الصالحات لأنهما أحب اللذات المتعارفة للسامعين فالزوجة الصالحة آنس شئ للإنسان والجنات محل النعيم وحسن النظر .
وقوله ( وندخلهم ظلا ظليلا ) هو من تمام محاسن الجنات لأن الظل إنما يكون مع الشمس وذلك جمال الجنات ولذة التنعيم برؤية النور مع انفتاح حره . ووصف بالظليل وصفا مشتقا من اسم الموصوف للدلالة على بلوغه الغاية في جنسه فقد يأتون بمثل هذا الوصف بوزن فعيل : كما هنا وقولهم : داء دوي ويأتون به بوزن أفعل : كقولهم : ليل ألليل ويوم أيوم ويأتون بوزن فاعل : كقولهم : شعر شاعر ونصب ناصب .
( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بسن الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا [ 58 ] ) استئناف ابتدائي قصد منه الإفاضة في بيان شرائع العدل والحكم ونظام الطاعة وذلك من الأعراض التشريعية الكبرى التي تضمنتها هذه السورة ولا يتعين تطلب المناسبة بينه وبين ما سبقه فالمناسبة هي الانتقال من أحكام تشريعية إلى أحكام أخرى في أغراض أخرى . وهنا مناسبة وهي أن ما استطرد من ذكر أحوال أهل الكتاب في تحريفهم الكلم عن مواضعه وليهم ألسنتهم بكلمات فيها توجيه من السب وافترائهم على الله الكذب وحسدهم بإنكار فضل الله إذ آتاه الرسول والمؤمنين كل ذلك يشتمل على خيانة أمانة الدين والعلم والحق والنعمة وهي أمانات معنوية فناسب أن يعقب ذلك بالأمر بأداء الأمانة الحسية إلى أهلها ويتخلص إلى هذا التشريع .
وجملة ( إن الله يأمركم ) صريحة في الأمر والوجوب مثل صراحة النهي في قوله في الحديث ( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ) . ( وإن ) فيها لمجرد الاهتمام بالخبر لظهور أن مثل الخبر لا يقبل الشك حتى يؤكد لأنه إخبار عن إيجاد شئ لا عن وجوه فهو والإنشاد سواء .
A E والخطاب لكل من يصلح لتلقي هذا الخطاب والعمل به من كل مؤتمن على شئ ومن كل من تولى الحكم بين الناس في الحقوق