وفي البخاري عن الزبير : أحسب هذه الآية نزلت في خصومة بيني وبين أحد الأنصار في شراج من الحرة " أي مسيل مياه جمع شرج " بفتح فسكون " وهو مسيل الماء يأتي من حرة المدينة إلى الحوائط التي بها " إلى رسول الله A فقال رسول الله " اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك " فقال الأنصاري : لأن كان ابن عمتك . فتغير وجه النبي A وقال : اسق يا زبير حتى يبلغ الماء الجدر ثم أرسل إلى جارك واستوف حقك " والجدر هو ما يدار بالنخل من التراب كالجدار " فكان قضاؤه الأول صلحا وكان قضاؤه الثاني أخذا بالحق وكأن هذا الأنصاري ظن أن النبي A أراد الصلح بينهم على وجه فيه توفير لحق الزبير جبرا لخاطره ولم ير في ذلك ما ينافي العصمة فقد كان الصحابة متفاوتين في العلم . بحقائق صفات الرسول مدفوعين في سبر النفوس بما اعتادوه من الأميال والمصانعات فنهاهم الله تعالى على أن ذلك يجر إلى الطعن في العصمة . وليس هذا الأنصاري بمنافق ولا شاك في الرسول فإنهم وصفوه بالأنصاري وهو وصف لخيرة من المؤمنين وما وصفوه بالمنافق ولكنه جهل وغفل فعفا عنه رسول الله ولم يستتبه . وهذه القصية ترجع إلى النظر في التكفير بلازم القول والفعل وفيها تفصيل حسن لابن رشد في البيان والتحصيل في كتاب الجنائز وكتاب المرتدين . خلاصته : أنه لابد من تنبيه من يصدر منه مثل هذا على ما يلزم قوله من لازم الكفر فإن التزمه ولم يرجع عد كافرا لأن المرء قد يغفل عن دلالة الالتزام ويؤخذ هذا على هذا الوجه في سبب النزول من أسلوب الآية لقوله ( لا يؤمنون ) إلى قوله ( تسليما ) فنبه الأنصاري بأنه قد التبس بحالة تنافي الإيمان في خفاء إن استمر عليها بعد التنبيه على عاقبتها لم يكن مؤمنا .
والأنصاري قيل : هو غير معروف وحبذا إخفاؤه وقيل : هو ثعلبة بن حاطب ووقع في الكشاف أنه حاطب بن أبي بلتعة وهو سهو من مؤلفه وقيل : ثابت بن قيس بن شماس وعلى هذه الرواية في سبب النزول يكون معنى قوله ( لا يؤمنون ) أنه لا يستمر إيمانهم . والظاهر عندي أن الحادثتين وقعتا في زمن متقارب ونزلت الآية في شأن حادثة بشر المنافق فظنها الزبير نزلت في حادثته مع الأنصاري .
( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا [ 66 ] وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما [ 67 ] ولهديناهم صراطا مستقيما [ 68 ] ) لم يظهر وجه اتصاله بما قبله ليعطف عليه لأن ما ذكر هنا ليس أولى بالحكم من المذكور قبله أي ليس أولى بالامتثال حتى يقال : لو أنا كلفناهم بالرضا بما هو دون قطع الحقوق لما رضوا بل المفروض هنا أشد على النفوس مما عصوا فيه . فقال جماعة من المفسرين : وجه اتصالها أن المنافق لما لم يرض بحكم النبي A وأراد التحاكم إلى الطاغوت وقالت اليهود : ما أسخف هؤلاء يؤمنون بمحمد ثم لا يرضون بحكمه ونحن قد أمرنا نبينا بقتل أنفسنا ففعلنا وبلغت القتلى منا سبعين ألفا ؛ فقال ثابت ابن قيس بن شماس : لو كتب ذلك علينا لفعلنا فنزلت هذه الآية تصديقا لثابت بن قيس . ولا يخفى بعده عن السياق لأنه لو كان كذلك لما قيل ( ما فعلوه إلا قليل منهم ) بل قيل : لفعله فريق منهم . وقال الفخر : هي توبيخ للمنافقين أي لو شددنا عليهم التكليف لما كان من العجب ظهور عنادهم ولكنا رحمناهم بتكليفهم اليسر فليتركوا العناد . وهي على هذا الوجه تصلح لأن تكون تحريضا للمؤمنين على امتثال الرسول وانتفاء الحرج عنهم من أحكامه فإنه لم يكلفهم إلا اليسر كل هذا محمول على أن المراد بقتل النفوس أن يقتل أحد نفسه بنفسه