وعندي أن ذكر ذلك هن من براعة المقطع تهيئة لانتقال الكلام إلى التحريض على الجهاد الآتي في قوله ( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ) وأن المراد ب ( اقتلوا أنفسكم ) : ليقتل بعضكم بعضا فإن المؤمنين يقاتلون قومهم وأقاربهم من المشركين في الجهاد المأمور به بدليل قوله ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ) الآية . والمراد بالخروج من الديار الهجرة أي كتبنا عليهم هجرة من المدينة وفي هذا تنويه بالمهاجرين والمجاهدين .
A E وقرأ الجمهور ( إلا قليل ) " بالرفع " على البدل من الواو في ( ما فعلوه ) على الاستثناء . وقرأه ابن عامر " بالنصب " على أحد وجهي الاستثناء من الكلام المنفي .
ومعنى ( ما يوعظون به ) علم من قوله ( فأعرض عنهم وعظهم ) أي ما يؤمرون به أمر تحذير وترقيق أي مضمون ما يوعظون لأن الوعظ هو الكلام والأمر والمفعول هو المأمور به أي لو فعلوا كل ما يبلغهم الرسول ومن ذلك الجهاد والهجرة . وكونه خيرا أن فيه خير الدنيا لأن الله يعلم وهم لا يعلمون .
ومعنى كونه ( أشد تثبيتا ) يحتمل أنه التثبيت على الإيمان وبذلك فسروه ويحتمل عندي أنه أشد تثبيتا لهم أي لبقائهم بين أعدائهم ولعزتهم وحياتهم الحقيقية فإنهم إنما يكرهون القتال استبقاء لأنفسهم ويكرهون المهاجرة حبا لأوطانهم فعلمهم الله أن الجهاد والتغرب فيه أو في غيره أشد تثبيتا لهم لأنه يذود عنهم أعداءهم كما قال الحصين بن الحمام : .
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما ومما دل على أن المراد بالخير خير الدنيا وبالتثبيت التثبيت فيها قوله عاطفا عليه ( وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ) .
وجملة ( وإذن لآتيناهم من لدنا ) معطوفة على جواب ( لو ) والتقدير : لكان خيرا وأشد تثبيتا ولآتيناهم الخ ووجود اللام التي تقع في جواب ( لو ) مؤذن بذلك . وأما واو العطف فلوصل الجملة المعطوفة بالجملة المعطوف عليها . وأما ( إذن ) فهي حرف جواب وجزاء أي في معنى جواب لكلام سبقها ولا تختص بالسؤال فأدخلت في جواب ( لو ) بعطفها على الجواب تأكيدا لمعنى الجزاء فقد أجيبت ( لو ) في الآية بجوابين في المعنى لأن المعطوف على الجواب جواب ولا يحسن اجتماع جوابين إلا بوجود حرف عطف وقريب مما في هذه الآية قول العنبري في الحماسة : .
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا .
إذن لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة أن ذو لوثة لانا قال المرزوقي : يجوز أن يكون " إذن لقام " جواب : " لو كنت من مازن " في البيت السابق كأنه أجيب بجوابين وجعل الزمخشري قوله ( وإذن لآتيناهم ) جواب سؤال مقدر كأنه : قيل وماذا يكون لهم بعد التثبيت فقيل : وإذن لآتيناهم . قال التفتزاني : " على أن الواو للاستئناف " أي لأن العطف ينافي تقدير سؤال . والحق أن ما صار إليه في الكشاف تكلف لا داعي إليه إلا التزام كون ( إذن ) حرفا لجواب سائل والوجه أن الجواب هو ما يتلقى به كلام آخر سواء كان سؤالا أو شرطا أو غيرهما .
وقوله ( ولهديناهم صراطا مستقيما ) أي لفتحنا لهم طرق العلم والهداية لأن تصديهم لامتثال ما أمروا به هو مبدأ تخلية النفوس عن التعلق بأوهامها وعوائدها الحاجبة لها عن درك الحقائق فإذا ابتدأوا يرفضون هذه المواقع فقد استعدوا لتلقي الحكمة والكمالات النفسانية ففاضت عليهم المعارف تترى بدلالة بعضها على بعض وبتيسير الله صعبها بأنوار الهداية والتوفيق ولا شك أن الطاعة مفتاح المعارف بعد تعاطي أسبابها .
( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [ 69 ] ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما [ 70 ] ) تذييل لجملة ( وإذن لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ) وإنما عطفت باعتبار إلحاقها بجملة ( ومن يطع الله والرسول ) على جملة ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ) . وجيء باسم الإشارة في جملة جواب الشرط للتنبيه على جدارتهم بمضمون الخبر عن اسم الإشارة لأجل مضمون الكلام الذي قبل اسم الإشارة . والمعية معية المنزلة في الجنة وإن كانت الدرجات متفاوتة