@ 266 @ ظهره . من قولهم : فرس فرط ، أي متقدم للخيل . ومنه قول لبيد في معلقته : وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } أي كانت أعماله سفهاً وضياعاً وتفريطاً . وقيل : من الإفراط الذي هو مجاوزة الحد ، كقول الكفار المحتقرين لفقراء المؤمنين : نحن أشراف مضر وساداتهاا إن اتبعناك اتبعك جميع الناس . وهذا من التكبر والإفراط في القول . وقيل ( فرطاً ) أي قدما في الشر . . من قولهم : فرط منه أمر ، أي سبق . وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة عندي بحسب اللغة العربية التي نزل بها للقرآن أن معنى قوله ( فرطاً ) : أي متقدماً للحق والصواب ، نابذاً له وراء ظهره . من قولهم : فرس فرط ، أي متقدم للخيل . ومنه قول لبيد في معلقته : % ( ولقد حميت الخيل تحمل شكتي % فرط وشاحي إذ غدوت لجامها ) % .
وإلى ما ذكرنا في معنى الآية ترجع أقوال المفسرين كلها ، كقول قتادة ومجاهد ( فرطاً ) أي ضياعاً . وكقول مقاتل بن حيان ( فرطاً ) أي سرفاً . كقول الفراء ( فرطاً ) أي متروكاً . وكقول الأخفش ( فرطاً ) أي مجاوزاً للحد ، إلى غير ذلك من الأقوال . قوله تعالى : { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ } . أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يقول للناس : الحق من ربكم . وفي إعرابه وجهان : أحدهما أن ( الحق ) مبتدأ ، والجار والمجرور خبره ، أي الحق الذي جئتكم به في هذا القرآن العظيم ، المتضمن لدين الإسلام كائن مبدؤه من ربكم جل وعلا . فليس من وحي الشيطان ، ولا من افتراء الكهنة ، ولا من أساطير الأولين ، ولا غير ذلك . بل هو من خالقكم جل وعلا ، الذي تلزمكم طاعته وتوحيده ، ولا يأتي من لدنه إلا الحق الشامل للصدق في الأخبار ، والعدل في الأحكام ، فلا حق إلا منه جل وعلا . .
الوجه الثاني أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي هذا الذي جئتكم به الحق . .
وهذا الذي ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة ذكره أيضاً في مواضع أخر . كقوله في سورة ( البقرة ) : { الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } ، وقوله في ( آل عمران ) : { الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن الْمُمْتَرِينَ } إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : { فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ } . ظاهر هذه الآية الكريمة بحسب الوضع اللغوي التخيير بين الكفر والإيمان ولكن المراد من الآية الكريمة ليس هو التخيير ، وإنما المراد بها التهديد والتخويف . والتهديد بمثل هذه الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية . والدليل من القرآن العظيم على أن المراد في الآية التهديد والتخويف أنه أتبع ذلك بقوله { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا } وهذا أصرح دليل على أن المراد التهديد والتخويف . إذ لو كان التخيير على بابه لما توعد فاعل أحد الطرفين المخير بينهما بهذا العذاب الأليم . وهذا واضح كما ترى . وقوله في هذه الآية الكريمة { أَعْتَدْنَا } أصله من الاعتاد ، والتاء فيه