@ 301 @ استجابوا لربهم هم العقلاء الذين عقلوا معنى الأمثال ، وانتفعوا بما تضمنت من بيان الحق . وأن الذين لم يستجيبوا له هم الذين لم يعقلوها ، ولم يعرفوا ما أوضحته من الحقائق . فالفريق الأول هم الذين قال الله فيهم { وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } ، والفريق الثاني هم الذين قال فيهم { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا } وقال فيهم { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ } . .
وقوله في هذه الآية الكريمة : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا } قال بعض العلماء : مفعول ( صرفنا ) محذوف ، تقديره : البينات والعبر . وعلى هذا ف ( من ) للناس في هذا القرآن ليذكروا ، فقابلوا ذلك بالجدال والخصام . ولذا قال : { وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَىءٍ جَدَلاً } وهذا هو الذي استظهره أبو حيان في البحر ، ثم قال : وقال ابن عطية يجوز أن تكون ( من ) زائدة التوكيد . فالتقدير : ولقد صرفنا كل مثل . فيكون مفعول ( صَرَّفْنَا ) : ( كل مثل ) وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين والأخفش ، لا على مذهب جمهور البصريين . انتهى الغرض من كلام صاحب البحر المحيط . وقال الزمخشري : ( من كل مثل ) من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه ا ه . وضابط ضرب المثل الذي يرجع إليه كل معانيه التي يفسر بها : هو إيضاح معنى النظير بذكر نظيره . لأن النظير يعرف بنظيره . وهذا المعنى الذي ذكره في هذه الآية الكريمة جاء مذكوراً في آيات أخر . كقوله في ( الإسراء ) : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَاذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا } ، وقوله تعالى : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَاذَا الْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا } ، وقوله : { وَكَذالِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً } ، وقوله : { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَاذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ، وقوله : { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَاذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِأايَةٍ لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ } . والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً . .
وقوله في هذه الآية : { وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَىءٍ جَدَلاً } أي أكثر الأشياء التي من شأنها الخصومة إن فصلتها واحداً بعد واحد . ( جدلاً ) أي خصومة ومماراة بالباطل لقصد إدحاض الحق . ومن الآيات الدالة على خصومة الإنسان بالباطل لإدحاض الحق قوله هنا { وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ } ،