@ 312 @ وهو دليل أيضاً واضح على أن سبب إزاغة الله قلوبهم هو زيغهم السابق . وقوله : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ } ، وقوله تعالى : { فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا } ، وقوله : { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } ، وقوله تعالى : { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الطبع على القلوب ومنعها من فهم ما ينفع عقاب من الله على الكفر السابق على ذلك . وهذا الذي ذكرنا هو وجه رد شبهة الجبرية التي يتمسكون بها في هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم . وبهذا الذي قررنا يحصل الجواب أيضاً عن سؤال يظهر لطالب العلم فيما قررنا : وهو أن يقول : قد بينتم في الكلام على الآية التي قبل هذه أن جعل الأكنة على القلوب من نتائج الإعراض عن آيات الله عند التذكير بها ، مع أن ظاهر الآية يدل عكس ذلك من أن الإعراض المذكور سببه هو جعل الأكنة على القلوب ، لأن ( إن ) من حروف التعليل كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه ، كقولك : اقطعه إنه سارق ، وعاقبه إنه ظالم ، فالمعنى : اقطعه لعله سرقته ، وعاقبه لعلة ظلمه . وكذلك قوله تعالى : { فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أي أعرض عنها لعلة جعل الأكنة على قلوبهم . لأن الآيات الماضية دلت على أن الطبع الذي يعبر عنه تارة بالطبع ، وتارة بالختم ، وتارة بالأكنة ، ونحو ذلك سببه الأول الإعراض عن آيات الله والكفر بها كما تقدم إيضاحه . .
وفي هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان : الأول أن يقال : ما مفسر الضمير في قوله : { أَن يَفْقَهُوهُ } وقد قدمنا أنه الآيات في قوله { ذُكِّرَ بِأايِاتِ رَبِّهِ } بتضمين الآيات معنى القرآن . فقوله { أَن يَفْقَهُوهُ } أي القرآن المعبر عنه بالآيات كما تقدم إيضاحه قريباً . .
السؤال الثاني أن يقال : ما وجه إفراد الضمير في قوله { ذُكِرَ } وقوله : { أَعْرَضَ عَنْهَا } وقوله { وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } مع الإتيان بصيغة الجمع في الضمير في قوله : { إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىءَاذَانِهِمْ وَقْراً } مع أن مفسر جميع الضمائر المذكورة واحد ، وهو الاسم الموصول في قوله : { مِمَّن ذُكِّرَ بِأايِاتِ رَبِّهِ } .