@ 313 @ .
والجواب هو أن الإفراد باعتبار لفظ ( من ) والجمع باعتبار معناها ، وهو كثير في القرآن العظيم . والتحقيق في مثل ذلك جواز مراعاة اللفظ تارة ، ومراعاة المعنى تارة أخرى مطلقاً . خلافاً لمن زعم أن مراعاة اللفظ بعد مراعاة المعنى لا تصح . والدليل على صحة قوله تعالى : { وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاٌّ نْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً } فإنه في هذه الآية الكريمة راعى لفظ ( من ) أولاً فأفرد الضمير في قوله { يُؤْمِنُ } وقوله ( ويعمل ) وقوله ( يُدْخِلْهُ ) وراعى المعنى في قوله : { خَالِدِينَ } فأتى فيه بصيغة الجمع ، ثم راعى اللفظ بعد ذلك في قوله : { قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً } وقوله : { أَن يَفْقَهُوهُ } فيه وفي كل ما يشابهه من الألفاظ وجهان معروفان لعلماء التفسير : أحدهما أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة لئلا يفقهوه . وعليه فلا النافية محذوفة دل المقام عليها . وعلى هذا القول هنا اقتصر ابن جرير الطبري . والثاني أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة كراهة أن يفقهوه ، وعلى هذا فالكلام على تقدير مضاف ، وأمثال هذه الآية في القرآن كثيرة . وللعلماء في كلها الوجهان المذكوران كقوله تعالى : { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } أي لئلا تضلوا ، أو كراهة أن تضلوا . وقوله : { إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ } أي لئلا تصيبوا ، أو كراهة أن تصيبوا ، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن العظيم . .
وقوله تعالى : { أَن يَفْقَهُوهُ } أي يفهموه . فالفقه : الفهم ، ومنه قوله تعالى : { فَمَا لِهَاؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } أي يفهمونه ، وقوله تعالى { قَالُواْ ياشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ } أي ما نفهمه . والوقر : الثقل . وقال الجوهري في صحاحه : الوقر بالفتح ، الثقل في الأذن . والوقر بالكسر : الحمل ، يقال جاء يحمل وقره ، وأوقر بعيره وأكثر ما يستعمل الوقر في حمل البغال والحمار ا ه وهذا الذي ذكره الجوهري وغيره جاء به القرآن ، قال في ثقل الأذن : { وَفِىءَاذَانِهِمْ وَقْراً } وقال في الحمل : { فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً } . قوله تعالى : { وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُواْ إِذاً أَبَداً } . بين في هذه الآية الكريمة : أن الذين جعل الله على قلوبهم أكنة تمنعهم أن يفقهوا ما ينفعهم من آيات القرآن التي ذكروا بها لا يهتدون أبداً ، فلا ينفع فيهم دعاؤك إياهم إلى الهدى . وهذا المعنى الذي أشار