@ 170 @ قوله تعالى : { وَدَاوُدَ } منصوب ب ( اذكر ) مقدراً . وقيل : معطوف قوله : { وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ } أي واذكر نوحاً إذا نادى من قبل { وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ } ، وقوله : { الْمُرْسَلِينَ إِذْ } بدل من ( دَاوُدَ وَسُلَيْمَان ) بدل اشتمال كما أوضحنا في سورة ( مريم ) وذكرنا بعض المناقشة فيه ، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول . وذكرنا في هذا الكتاب مسائل كثيرة من ذلك . فإذا علمت ذلك فاعلم أن جماعة من العلماء قالوا : إن حكم داود وسليمان في الحرث المذكور في هذه الآية كان بوحي : إلا أن ما أوحى إلى سليمان كان ناسخاً لما أوحى إلى داود . .
وفي الآية قرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحي ، وأن سليمان أصاب فاستحق الثناء باجتهاده ، وإصابته ، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده ، ولم يستوجب لوماً ولا ذماً بعدم إصابته . كما أثنى على سليمان بالإصابة في قوله : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } ، وأثنى عليهما في قوله : { وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } فدل قوله { وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا } على أنهما حكماً فيها معاً ، كل منهما بحكم مخالف لحكم الآخر ، ولو كان وحياً لما ساغ الخلاف . ثم قال : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود ، ولو كان حكمه فيها بوحي لكان مفهماً إياها كما ترى . فقوله { وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا } مع قوله { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } قرينة على أن الحكم لم يكن بوحي بل باجتهاد ، وأصاب فيه سليمان دون داود بتفهيم الله إياه ذلك . .
والقرينة الثانية هي أن قوله تعالى : { فَفَهَّمْنَاهَا } يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع . لا أنه أنزل عليه فيها وحياً جديداً ناسخاً . لأن قوله تعالى : { فَفَهَّمْنَاهَا } أليق بالأول من الثاني ، كما ترى . .
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة .
المسألة الأولى اعلم أن هذا الذي ذكرنا أن القرينة تدل عليه في هذه الآية من أنهما حكما فيها باجتهاد ، وأن سليمان أصاب في اجتهاده جاءت السنة الصحيحة بوقوع مثله منهما في غير هذه المسألة . فدل ذلك على إمكانه في هذه المسألة ، وقد دلت القرينة القرآنية على