@ 341 @ تبوك سنة تسع ، وفيها نزل صدر سورة آل عمران ، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة ، ويدل عليه أن أهل مكة ، وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين ، لما أنزل الله تعالى : { ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَاذَا } فأعاضهم الله تعالى من ذلك الجزية ، ونزول هذه الآيات ، والمناداة بها إما كان عام تسع ، وبعث الصديق رضي الله عنه بذلك في مكة في موسم الحج ، وأردفه بعلي رضي الله عنه ، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف والله أعلم . انتهى من زاد المعاد . .
فتحصل : أن آية { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } ، لم تدل على وجوب الحج ابتداء ، وإنما دلت على وجوب إتمامه بعد الشروع فيه كما هو ظاهر اللفظ ، ولو كان يتعين كونه يدل على ابتداء الوجوب لما حصل خلاف بين أهل العلم في وجوب العمرة ، والخلاف في وجوبها معروف ، وسيأتي إن شاء الله إيضاحه . .
بل الذي أجمعوا عليه : هو وجوب إتمامها بعد الشروع فيها ، كما هو ظاهر الآية ، وأن قصة ضمام بن ثعلبة ، كانت عام تسع كما رجحه ابن حجر وغيره ، فظهر سقوط الاستدلال بها وبالآية الكريمة ، وأن الحج إنما فرض عام تسع كما أوضحه ابن القيم في كلامه المذكور آنفاً ، لأن آية { وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } هي الآية التي فرض بها الحج : وهي من صدر سورة آل عمران ، وقد نزل عام الوفود وفيه قدم وفد نجران ، وصالحهم النَّبي صلى الله عليه وسلم على أداء الجزية ، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع كما تقدم قريباً ، وعلى كون الحج إنما فرض عام تسع غير واحد من العلماء ، وهو الصواب إن شاء الله تعالى . .
وبه تعلم أنه لا حجة في تأخير النَّبي صلى الله عليه وسلم الحج عام فتح مكة ، لأنه انصرف من مكة والحج قريب ، ولم يحج . لأنه لم يفرض . .
فإن قيل : سلمنا تسليماً جدلياً أن سبب تأخيره الحج عام فتح مكة ، مع تمكنه منه ، وقدرته عليه أن الحج لم يكن مفروضاً في ذلك الوقت ، وقد اعترفتم بأن الحج فرض عام تسع ، وهو صلى الله عليه وسلم لم يحج عام تسع ، بل أخر حجه إلى عام عشر ، وهذا يكفينا في الدلالة على أن وجوبه على التراخي ، إذ لو كان على الفور لما أخره بعد فرضه إلى عام عشر . .
فالجواب والله تعالى أعلم : أن عام تسع لم يتمكن فيه النَّبي ، وأصحابه من منع المشركين من الطواف بالبيت ، وهم عراة ، وقد بين الله تعالى في كتابه أن منعهم من قربان المسجد الحرام ، إنما هو بعد ذلك العام الذي هو عام تسع وذلك في قوله تعالى : { ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَاذَا } ، وعامهم هذا هو عام تسع ، فدل على أنه لم يمكن منعهم عام تسع ، ولذا أرسل علياً رضي الله عنه بعد أبي بكر ينادي ببراءة : وأن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا عريان ، فلو بادر صلى الله عليه وسلم إلى الحج عام تسع لأدى ذلك إلى رؤيته المشركين يطوفون بالبيت ، وهم عراة وهو لا يمكنه أن يحضر ذلك ، ولا سيما في حجة الوداع التي يريد أن يبين للناس فيها مناسك حجهم ، فأول وقت أمكنه فيه الحج صافياً من الموانع والعوائق بعد وجوبه عام عشر ، وقد بادر بالحج فيه والعلم عند الله تعالى ، وأجابوا عن قولهم : كونه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي ، أن يفسخوا حجهم في عمرة ، دليل على تأخير الحج ، لأنهم بعد ما أحرموا فيه فسخوه في عمرة ، وحلوا منه بأن هذا ليس فيه تأخير الحج لعزمهم على أن يحجوا في تلك السنة بعينها ، وتأخير الحج : إنما هو بتأخيره من سنة إلى أخرى ، وذلك ليس بواقع هنا ، فلا تأخير للحج في الحقيقة ، لأنهم حجوا في عين الوقت الذي حج فيه من لم يفسخ حجه في عمرة ، فلا تأخير كما ترى ، وأجابوا عن قولهم : إنه لو أخره من سنة إلى أخرى ، أو سنين ، ثم فعله بعد ذلك فإنه يسمى مؤدياً لا قاضياً بالإجماع ، ولو حرم التأخير ، لكان قضاء بأن القضاء لا يكون إلا في العبادة الموقتة بوقت معين . ثم خرج ذلك الوقت المعين لها كما هو مقرر في الأصول ، والحج لم يوقت بزمن معين والعمر كله وقت له ، وذلك لا ينافي وجوب المبادرة خوفاً من طرو العوائق ، أو نزول الموت قبل