@ 373 @ على أفضليته على الإفراد بالقادح المعروف في الأصول بالقول بالموجب ، فيقولون : سلمنا أنه كان قارناً مع بقاء نزاعنا في أفضلية القران على الإفراد ، لأن قرانه ، وأمره أصحابه بالتمتع ، لم يكن لأفضلية القران والتمتع في حد ذاتيهما على الإفراد ، بل هما في ذلك الوقت أفضل لسبب منفصل ، وإن كان الإفراد أفضل منهما في حد ذاته لما قدمنا من أن الفعل المفضول أو المكروه ، إذا كان لبيان الجواز كان أفضل بهذا الاعتبار من الفعل الذي هو أفضل منه في حد ذاته كما قدمنا إيضاحه . .
وقد قدمنا أدلة من قال بهذا كحديث بلال بن الحارث المزني في السنن ، وحديث أبي ذر في مسلم أن ذلك كان خاصاً بذلك الركب في حجة الوداع ، وعمل الخلفاء الراشدين نحو أربع وعشرين سنة ، وغيرهم من المهاجرين ، والأنصار من أفاضل الصحابة ، كما ثبت في الصحيحين عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما وثبت عن الخلفاء الراشدين : أبي بكر ، وعمر ، وعثمان في الصحيحين وغيرهما ذلك وقد قدمنا أن الآثار والأحاديث التي ذكرها ابن حزم عنهم مخالفة لذلك لا يلتفت إليها مع الروايات الثابتة في الصحيحين ، القاضية بخلافها ، فإن قيل سلمنا تسليماً جدلياً أن القران من النَّبي صلى الله عليه وسلم ، والتمتع الواقع من الصحابة بأمره في حجة الوداع ، كانا لأجل بيان الجواز فاللازم أن تكون مشروعية أفضليتهما باقية كالرمل في الطواف في الأشواط الثلاثة الأولى ، فإنه صلى الله عليه وسلم فعله ، وأمر به لسبب خاص ، وهو أن يرى المشركين قوة الصحابة ، وأنهم لم يضعفهم مرض ، ومع كون ذلك لهذا السبب فمشروعية سنيته باقية فليكن قرانه ، وتمتع أصحابه بأمره لذلك السبب كذلك . .
فالجواب : أن الرمل المذكور لم يرد فيه دليل ، يدل على خصوصه بذلك الوقت ، بل ثبت ما يدل على بقاء مشروعيته ، وهو رمله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بعد زوال السبب ، والتمتع والقران المذكوران وردت فيهما أدلة تدل على خصوصهما بذلك الركب كحديث بلال بن الحارث المزني ، وحديث أبي ذر إلى آخر ما تقدم . وقد قدمنا مناقشة من ضعف الأول ، بأن الحارث بن بلال راوي الحديث ، عن أبيه مجهول ، وأن حديث أبي ذر موقوف . .
وبالجملة : فإنه يبعد كل البعد أن أبا بكر ، وعمر ، وعثمان رضي الله عنهم يتواطؤون واحداً بعد واحد في نحو أربع وعشرين سنة على إفراد الحج متعمدين لمخالفة هدي النَّبي صلى الله عليه وسلم وجميع الصحابة حاضرون ، ولم ينكر منهم أحد ، فهذه دعوى باطلة ومقتضاها :