@ 392 @ .
فالجواب : أن بقاء حكم الرمل مع زوال علته ، لا ينافي أن لبقائه علة أخرى ، وهي أن يتذكر به المسلمون نعمة الله عليهم حيث كثرهم وقواهم بعد القلة والضعف ، كما قال تعالى { وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى الاٌّ رْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ } وقال تعالى عن نبيه شعيب { وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ } . .
وصيغة الأمر في قوله : اذكروا في الآيتين المذكورتين تدل على تحتم ذكر النعمة بذلك ، وإذاً فلا مانع من كون الحكمة في بقاء حكم الرمل ، هي تذكر نعمة الله بالقوة بعد الضعف . والكثرة بعد القلة ، وقد أشار إلى هذا ابن حجر في الفتح ، ومما يؤيده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل في حجة الوداع بعد زوال العلة المذكورة ، فلم يمكن بعد ذلك تركه لزوالها ، والعلم عند الله تعالى . .
التنبيه الثاني : اعلم أن الروايات الثابتة في الصحيح في الرمل ظاهرها الاختلاف ، لأن في بعضها أن الرمل ليس في الشوط كله بل ما بين الركنين اليمانيين لا رمل فيه ، وقد قدمنا في حديث ابن عباس عند البخاري ما لفظه : فأمرهم النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، وأن يمشوا ما بين الركنين ، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها ، إلا الإبقاء عليهم . ولفظه عند مسلم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه مكة ، وقد وهنتهم حمى يثرب . قال المشركون : إنه يَقْدَمُ عليكم غداً قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة ، فجلسوا مما يلي الحِجْر ، وأمرهم النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة أشواط ، ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جَلَدَهُم ، فقال المشركون : هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم ، هؤلاء أَجْلَدُ من كذا وكذا . قال ابن عباس : ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاءُ عليهم . فحديث ابن عباس هذا الذي أخرجه الشيخان : فيه التصريح بأنهم لم يرملوا فيما بين الركنين ، وقد بين ابن عباس علة ذلك وهي قوله : فجلسوا مما يلي الحجر ، يعني : أن المشركين جلسوا في جهة البيت الشمالية مما يلي الحجر بكسر الحاء ، وإذاً فالذي بين الركنين اليمانيين لا يرونه لأن الكعبة تحول بينهم وبينه ، وإذا كانوا لا يرونهم مشوا فإذا ظهروا لهم عند ركن الحجر رملوا ، مع أن في بعض الروايات الثابتة في الصحيح : أنه صلى الله عليه وسلم رمل الأشواط الثلاثة كلها ، من الحجر إلى الحجر . .
ففي صحيح مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ما لفظه : قال : ( رمل