@ 479 @ المبيت ورمي يوم بعد يوم . .
الفرع الحادي عشر : في حكمة الرمي : .
اعلم أنه لا شك في أن حكمة الرمي في الجملة هي طاعة الله ، فيما أمر به وذكره بامتثال أمره على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، قال أبو داود في سننه حدثنا مسدد ، ثنا عيسى بن يونس ، ثنا عبيد الله بن أبي زياد ، عن القاسم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنما جُعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورَمْيُ الجِمار لإقامة ذكر الله ) وقال النووي في شرح المهذب في حديث أبي داود هذا ، وهذا الإسناد كله صحيح إلا عبيد الله فضعفه أكثرهم ضعفاً يسيراً ، ولم يضعف أبو داود هذا الحديث ، فهو حسن عنده كما سبق . وروى الترمذي هذا الحديث من رواية عبيد الله هذا ، وقال هو حديث حسن ، وفي بعض النسخ : حسن صحيح ، فلعله اعتضد برواية أخرى . انتهى محل الغرض منه . .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : عبيد الله بن أبي زياد المذكور ، هو القداح أبو الحصين المكي ، وقد وثقه جماعة ، وضعفه آخرون ، وحديثه هذا معناه صحيح بلا شك ويشهد لصحة معناه قوله تعالى { وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ } لأنه يدخل في الذكر المأمور به : رمي الجمار بدليل قوله بعده { فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ } ، وذلك يدل على أن الرمي شرع لإقامة ذكر الله ، كما هو واضح ، ولكن هذه الحكمة إجمالية ، وقد روى البيهقي رحمه الله في سننه عن ابن عباس مرفوعاً قال : لما أتى إبراهيم خليل الله عليه السلام المناسك ، عرض له الشيطان عند جمرة العقبة ، فرماه بسبع حصيات ، حتى ساخ في الأرض ، ثم عرض له عند الجمرة الثانية ، فرماه بسبع حصيات ، حتى ساخ في الأرض ، ثم عرض له في الجمرة الثالثة ، فرماه بسبع حصيات ، حتى ساخ في الأرض . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : الشيطان ترجمون وملة أبيكم تتبعون . انتهى بلفظه من السنن الكبرى للبيهقي ، وقد روى هذا الحديث الحاكم في المستدرك مرفوعاً ثم قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وعلى هذا الذي ذكره البيهقي ، فذكر الله الذي يشرع الرمي لإقامته ، هو الاقتداء بإبراهيم في عداوة الشيطان ، ورميه ، وعدم الانقياد إليه ، والله يقول { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرَاهِيمَ } ، فكأن الرمي رمز وإشارة إلى عداوة الشيطان التي أمرنا الله بها في