وب سایت رسمی مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى

اهم اخبار تقریب مذاهب اسلامی

مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
سایت رسمی مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى

@ 87 @ قالوا : ويؤيد هذا قولها في الرواية الأخرى ( طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه ثم طاف على نسائه ، ثم أصبح محرماً ) فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه ثم زال بالغسل بعده ، لا سيما وقد نقل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى ، ولا يبقى مع ذلك طيب ، ويكون قولها : ثم أصبح ينضح طيباً : أي قبل غسله ، وقد سبق في رواية لمسلم : أن ذلك الطيب كان ذريرة وهي مما يذهبه الغسل ، قالوا : وقولها : كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وهو محرم المراد به : أثره لا جرمه قاله القاضي عياض . وقال ابن العربي : ليس في شيء من طرق حديث عائشة : أن عين الطيب بقيت . .
ومنها : أن ذلك التطيب خاص به صلى الله عليه وسلم . .
ومنها : أن الدوام على الطيب بعد الإحرام كابتداء الطيب في الإحرام ، بجامع الاستمتاع بريح الطيب في حال الإحرام ، في كل منهما قالوا : ومما يؤيد أن ذلك التطيب خاص به صلى الله عليه وسلم : أنه لو كان مشروعاً لعامة الناس لما أنكره عمر ، وعثمان ، وابن عمر مع علمهم بالمناسك وجلالتهم في الصحابة . ولم ينكر عليهم أحد إلا ما أنكرت عائشة على ابن عمر ولما أنكره الزهري ، وعطاء مع علمهما بالمناسك . .
ومنها : أن حديث عائشة المذكور يقتضي إباحة الطيب ، لمن أراد الإحرام ، وحديث يعلى بن أمية : يقتضي منع ذلك ، والمقرر في الأصول : أن الدال على المنع مقدم على الدال على الإباحة ، لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام . .
ومنها : أن حديث يعلى من قول النَّبي صلى الله عليه وسلم بلفظه الصريح في الأمر بإزالة الطيب ، وإنقائه من البدن ، وظاهره العموم لما قدمنا أن خطاب الواحد يعم حكمه الجميع لاستواء الجميع في التكليف ، والعموم القولي لا يعارضه فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه مخصص له كما تقرر في الأصول ، كما أوضحناه سابقاً ، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود : ، لأنه مخصص له كما تقرر في الأصول ، كما أوضحناه سابقاً ، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود : % ( في حقه القول بفعل خصا % إن يك فيه القول ليس نصا ) % .
ومن ذلك الحناء قد قدمنا اختلاف العلماء فيها ، هل هي طيب أو لا ؟ وقد قدمنا آثاراً تدل : على أنها ليست بطيب ، وقدمنا حديث ابن عباس ، عند الطبراني أن أزواج النَّبي كن يختضبن بالحناء ، وهن محرمات ، وقد قدمنا أن في إسناده يعقوب بن عطاء ، وقد روى البيهقي بإسناده في السنن الكبرى عن عائشة رضي الله عنها أنها قيل لها : ما تقولين في الحناء والخضاب ؟ قالت : كان خليلي لا يحب ريحه ، ثم قال البيهقي : فيه كالدلالة على أن الحناء ليس بطيب ( فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الطيب ولا يحب ريح الحناء ) ا ه منه . .
وهذا حاصل مستند من قال : إن الحناء ليس بطيب وقال صاحب الجوهر النقي : بعد أن ذكر كلام البيهقي الذي ذكرنا ، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم خلاف هذا . قال أبو عمر في التمهيد : ذكر ابن بكير عن ابن لهيعة ، عن بكير بن الأشج ، عن خولة بنت حكيم ، عن أمها أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سلمة ( لا تطيبي ، وأنت محرمة ولا تمسي الحناء فإنه طيب ) وأخرجه البيهقي في كتاب المعرفة ، من هذا الوجه وقد عد أبو حنيفة الدينوري وغيره : من أهل اللغة : الحناء من أنواع الطيب . وقال الهروي في الغريبين : وفي الحديث ( سيد رياحين الجنة الفاغية ) قال الأصمعي : هو نور الحناء . وفي الحديث أيضاً ، عن أنس : ( كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفاغية ) انتهى منه . وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس . وقال النجم ، وعند الطبراني والبيهقي ، وأبي نعيم في الطب عن بريدة ( سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم ، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء ، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية ) انتهى محل الحاجة منه ، وقال ابن الأثير في النهاية فيه ( سيد رياحين الجنة الفاغية هي نور الحناء ) وقيل نور الريحان . وقيل : نور كل نبت من أنوار الصحراء ، التي لا تزرع . وقيل فاغية كل نبت نوره ، ومنه : حديث أنس ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه الفاغية ) ا ه . .
وفي القاموس : والفاغية نور الحناء أو يغرس غصن الحناء مقلوباً فيثمر زهراً أطيب من الحناء ، فذلك الفاغية ا ه محل الغرض منه . ولا يخفى أن الحناء لم يثبت فيه شيء مرفوع وأكثر أنواع الطيب لم تثبت في خصوصها نصوص ، ومنها : ما ثبت بالنص كالزعفران ، والورس ، كما تقدم إيضاح ، وكالذريرة ، والمسك كما سيأتي إن شاء الله ، وقد قدمنا أن الذي اختلف فيه أهل العلم من الأنواع : هل هو طيب ، أو ليس بطيب ؟ أن ذلك من نوع الاختلاف في تحقيق المناط ، والعلم عند الله تعالى . .
الفرع السادس عشر : اعلم أن العلماء اختلفوا في التطيب عند إرادة الإحرام قبله بحيث يبقى أثر الطيب ، وريحه أو عينه بعد التلبس بالإحرام ، هل يجوز ذلك لأنه وقت الطيب غير محرم ، والدوام على الطيب ، ليس كابتدائه كالنكاح عند من يمنعه في حال الإحرام ، مع إباحة الدوام على نكاح مقعود ، قبل الإحرام أو لا يجوز ذلك ، لأن وجود ريح الطيب ، أو عينه ، أو أثره في المحرم بعد إحرامه كابتدائه للتطيب ، ولأنه متلبس حال الإحرام بالطيب ، مع أن الطيب منهي عنه في الإحرام ، فقال جماهير من أهل العلم : إن الطيب عند إرادة الإحرام مستحب . قال النووي في شرح المهذب : قد ذكرنا أن مذهبنا استحبابه ، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء منهم سعد بن أبي وقاص ، وابن عباس ، وابن الزبير ، ومعاوية ، وعائشة ، وأم حبيبة ، وأبو حنيفة ، والثوري ، وأبو يوسف ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وابن المنذر ، وداود وغيرهم ا ه . .
وقال النووي في شرح مسلم : وبه قال خلائق من الصحابة والتابعين وجماهير الفقهاء والمحدثين منهم : سعد بن أبي وقاص ، وابن عباس إلى آخره ، كما في شرح المهذب . .
وقال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي : ويتطيب . .
وجملة ذلك أنه يستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب في بدنه خاصة ، ولا فرق بين ما يبقى عينه كالمسك والغالية ، أو أثره كالعود والبخور وماء الورد هذا قول ابن عباس ، وابن الزبير ، وسعد بن أبي وقاص وعائشة ، وأم حبيبة ، ومعاوية ، وروي عن محمد ابن الحنفية ، وأبي سعيد الخدري ، وعروة ، والقاسم ، والشعبي وابن جريج . ا ه محل الغرض منه . .
وقال جماعة آخرون من أهل العلم : لا يجوز التطيب عند إرادة الإحرام ، فإن فعل ذلك لزمه غسله حتى يذهب أثره وريحه ، وهذا هو مذهب مالك . .
وقال النووي في شرح مسلم : وقال آخرون بمعنه منهم : الزهري ، ومالك ، ومحمد بن الحسن ، وحكي أيضاً عن جماعة من الصحابة والتابعين ا ه . .
وقال في شرح المهذب : وقال عطاء والزهري ومالك ومحمد بن الحسن : يكره . .
قال القاضي عياض : وحكي أيضاً عن جماعة من الصحابة والتابعين ا ه . .
وقال ابن قدامة في المغني : وكان عطاء يكره ذلك ، وهو قول مالك ، وروي ذلك عن عمر وعثمان ، وابن عمر رضي الله عنهم ا ه . .
وإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة : فهذه أدلتهم ومناقشتها وما يظهر رجحانه بالدليل منها . .
أما الذين منعوا ذلك : فقد احتجوا بحديث يعلى بن أمية التميمي رضي الله عنه ، وهو متفق عليه . قال البخاري في صحيحه ، قال أبو عاصم : أخبرنا ابن جريج ، أخبرني عطاء : أن صفوان بن يعلى أخبره : أن يعلى قال لعمر رضي الله عنه : أرني النَّبي صلى الله عليه وسلم حين يوحى إليه ؟ فبينما النَّبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ، ومعه نفر من أصحابه ، جاء رجل فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلما : كيف ترى في رجلٍ أحرم بعمرة ، وهو متضمخ بطيب ؟ فسكت النَّبي صلى الله عليه وسلم ساعة ، فجاءه الوحي فأَشار عمر رضي الله عنه إلى يعلى ، فجاء يعلى ، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوب ، وقد أظل به ، فأدخل رأسه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم محمر الوجه ، وهو يغط ، ثم سري عنه فقال ( أين الذي سأل عن العمرة فأوتي برجل فقال : اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات ، وانزع عنك الجبة ، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك ) قلت لعطاء : أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مراتٍ ؟ قال : نعم . ا ه من صحيح البخاري قالوا : فهذا الحديث الصحيح صرح فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم بغسل الطيب الذي تضمخ به قبل الإحرام ، وأمر بإنقائه كما قاله عطاء ، ولا شك أن هذا الحديث يقتضي أن الطيب في بدنه إذ لو كان في الجبة ، دون البدن لكفى نزع الجبة كما ترى ، خلافاً لما توهمه ترجمة الحديث الذي ترجمه بها البخاري : وهي قوله : باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب . وقول البخاري في أول هذا الإسناد : قال أبو عاصم : قد قدمنا الكلام على مثله مستوفى وبينا أنه صحيح سواء قلنا : إنه موصول كما هو الصحيح ، أو معلق ، لأنه أورده بصيغة الجزم . .
وقال البخاري أيضاً في صحيحه : في أبواب العمرة : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا همام ، حدثنا عطاء قال : حدثني صفوان بن يعلى بن أمية : يعني عن أبيه : أن رجلاً أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم ، وهو بالجِعْرَانة ، وعليه جبة ، وعليه أثر الخلوق ، أو قال صفرة ، فقال : كيف تأمرني أن أصنعَ في عمرتي ؟ فأنزل الله على النَّبي صلى الله عليه وسلم فستر بثوب وودت أني رأيت النَّبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أُنزل عليه الوحي فقال عمر : تعال أيسرك أن تنظر إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أنزل الله الوحي ؟ قلت : نعم ، فرفع طرف الثوب ، فنظرت إليه له غطيط : وأحسبه قال : كغطيط البكر ، فلما سري عنه قال ( أين السائل عن العمرة : اخلعْ عنك الجبة ، واغسل أثر الخلوق عنك ، وأنق الصفرة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك ) ا ه منه . وقوله في هذا الحديث : ( اخلع عنك الجبة واغسل أثر الخلوق وأنق الصفرة ) صريح في أن غسل ذلك وإنقاءه من بدنه لأن ما في الجبة من الخلوق ، والصفرة يزول بخلعها كما ترى . .
وقال مسلم في صحيحه : حدثنا شيبان بن فروخ ، حدثنا همام ، حدثنا عطاء بن أبي رباح ، عن صفوان بن يعلى بن أمية ، عن أبيه رضي الله عنه قال ( جاء رجلٌ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة عليه جبة ، وعليها خلوق أو قال : أثر صفرة . فقال : كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي ؟ قال : وأُنزل على النَّبي صلى الله عليه وسلم الوحي ، فستر بثوب وكان يعلى يقول : وددت أن أرى النَّبي صلى الله عليه وسلم ، وقد نزل عليه الوحي قال فقال : أيسرك أن تنظر إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أُنزل عليه الوحي ؟ قال : فرفع عمر طرف الثوب ، فنظرت إليه له غطيط قال : وأحسبه قال : كغطيط البكر . قال : فلما سري عنه قال : أين السائل عن العمرة : اغسل عنك أثر الصفرة أو قال أثر الخلوق واخلع عنك جبتك واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك ) . .
وفي لفظ في صحيح مسلم عن يعلى قال : أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ ، وهو بالجعرانة ، وأنا عند النَّبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه مقطعات ، يعني جبة ، وهو متضمخ بالخلوق فقال : إني أحرمت بالعمرة ، وعلي هذا ، وأنا متضمخ بخلوق ، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم ( ما كنت صانعاً في حجك ؟ قال : أنزع عني هذه الثياب ، وأغسل عني هذا الخلوق فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم : ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك ) وفي لفظ في صحيح مسلم ، عن يعلى فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم ( أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مراتٍ ، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك ) وفي لفظ في صحيح مسلم عن يعلى رضي الله عنه ( أن رجلاً أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو الجعرانة قد أهل بالعمرة ، وهو مصفر لحيته ورأسه ، وعليه جبة ، فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أحرمت بعمرة ، وأنا كما ترى فقال : ( انزعْ عنك الجبة ، واغسل عنك الصفرة ، وما كنت صانعاً في حجك ، فاصنعه في عمرتك ) وفي لفظ في صحيح مسلم عن يعلى أيضاً قال ( انزع عنك جبتك واغسل أثر الخلوق الذي بك . وافعل في عمرتك ما كنت فاعلاً في حجك ) انتهى من صحيح مسلم . .
قالوا : فهذه الروايات الصحيحة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم : فيها التصريح ، بأن من تضمخ بالطيب قبل إحرامه لا يجوز له الدوام على ذلك ، بل يجب غسله ثلاثاً ، وإنقاؤه ، ولا شك أن بعض الروايات الصحيحة التي أوردنا صريحة في ذلك . وهذا هو حجة مالك ومن ذكرنا معه من أهل العلم في وجوب إزالة المحرم الطيب ، الذي تلبس به قبل إحرامه . .
وروى مالك في الموطأ ، عن حميد بن قيس ، عن عطاء بن أبي رباح ( إن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو بحُنين ، وعلى الأعرابي قميص ، وبه أثر صفرةٍ فقال : يا رسول الله إني أهللتُ بعمرة فكيف تأمرني أن أصنع ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انزع قميصك ، واغسلْ هذه الصفرة عنك وافعل في عمرتك ما تفعل في حجتك ) ا ه . .
والذين قالوا بهذا قالوا : يعتضد حديث يعلى المتفق عليه ببعض الآثار الواردة ، عن بعض الصحابة رضي الله عنهم ، كما أشرنا إليه غير بعيد ، وقد روى مالك في الموطأ ، عن نافع ، عن أسلم مولى عمر بن الخطاب : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجد ريحَ طيبٍ ، وهو بالشجرة ، فقال : ممن ريح هذا الطيب ، فقال معاوية بن أبي سفيان : مني يا أمير المؤمنين ، فقال منك لعمر الله فقال معاوية : أن أم حبيبة طيبتني يا أمير المؤمنين ، فقال عمر : عزمت عليك لترجعن فلتغسلنه . .
وروى مالك في الموطأ عن الصلت بن زيد عن غير واحد من أهله : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وجد ريح طيبٍ وهو بالشجرة ، وإلى جنبه كثير بن الصّلت ، فقال عمر : ممن ريح هذا الطيب ؟ فقال كثير : مني يا أمير المؤمنين ، لبدت رأسي ، وأردت ألا أحلق فقال عمر : فاذهب إلى شربة فادلك رأسك ، حتى تنقيه ، ففعل كثير بن الصلت . قال مالك : الشربة حفير تكون عند أصل النخلة . انتهى من الموطأ . .
قالوا : ففعل هذا الخليفة الراشد في زمن خلافته مطابق لما تضمنه حديث يعلى بن أمية المتفق عليه ، فتبين بذلك أنه غير منسوخ ، وذكر الزرقاني في شرح الموطأ : أن عمر أنكر أيضاً ذلك على البراء بن عازب ، وقال : إنه رواه ابن أبي شيبة عن بشير بن يسار ، كما أنكر على معاوية وكثير المذكورين ، قال : فهذا عمر قد أنكر على صحابيين ، وتابعي كثير الطيب بمحضر الجمع الكثير من الناس صحابة وغيرهم ، وما أنكر عليه منهم أحد ، فهو من أقوى الأدلة على تأويل حديث عائشة ، ثم ذكر عن وكيع ، عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه : أن عثمان رأى رجلاً قد تطيب عند الإحرام ، فأمره أن يغسل رأسه بطين ا ه . .
وقد ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر : أن محمد بن المنتشر سأله عن الرجل يتطيب ، ثم يصبح محرماً ، فقال : ( ما أحب أن أصبح محرماً أنضخ طيباً ، لأن أطلى بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك ) . هذا لفظ مسلم في صحيحه . وفيه بعده رد عائشة على ابن عمر كما سيأتي إن شاء الله تعالى . .
فحديث يعلى المتفق عليه ، والآثار التي ذكرنا عن بعض الصحابة ، ومنها ما لم نذكره هو حجة مالك ، ومن ذكرنا معه في منع التطيب قبل الإحرام ، ووجوب غسله ، وإنقائه إن فعل ذلك ، ولا فدية فيه عندهم مطلقاً ، وذكر بعضهم : أن المشهور عن مالك : الكراهة لا التحريم . .
واحتج الجمهور القائلون باستحباب التطيب عند الإحرام بما رواه الشيخان وغيرهما ، عن عائشة رضي الله عنها وبعض الآثار الدالة على ذلك ، عن بعض الصحابة رضي الله عنهم . قال البخاري في صحيحه : حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن عبد الرحمان بن القاسم ، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها ، زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم قالت : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه ، حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت . وفي صحيح البخاري : قبل هذا الحديث متصلاً به من طريق الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو محرم . وقد ذكرنا هذا الحديث في الكلام على التحلل الأول . .
وقال البخاري رحمه الله في صحيحه : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، حدثنا عبد الرحمان بن القاسم : أنه سمع أباه وكان أفضل أهل زمانه يقول : سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين ، حين أحرم ، ولحله حين أحل ، قبل أن يطوف ، وبسطت يديها ا ه منه . .
وقال مسلم رحمه الله في صحيحه : حدثنا محمد بن عباد أخبرنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمِهِ ، حين أحرم ، ولحله قبل أن يطوف بالبيت . وفي لفظ لمسلم عنها من طريق القاسم بن محمد قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ، لحرمه حين أحرم ، ولحله حين أحل ، قبل أن يطوف بالبيت . وفي لفظ عند مسلم عنها قالت : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه ، قبل أن يحرم ، ولحله قبل أن يطوف بالبيت . وفي لفظ عنها عند مسلم قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة في حجة الوداع ، للحل والإحرام . .
وفي النهاية الذريرة : نوع من الطيب مجموع من أخلاط . وقال السيوطي في تلخيصه للنهاية : وقيل هي فتات قصب ، وقال النووي في شرح مسلم : هي فتات قصب طيب ، يجاء به من الهند ، وقد قدمنا في سورة الأنعام أن الذريرة قصب يجاء به من الهند كقصب النشاب أحمر يتداوى به . وفي لفظ عند مسلم أيضاً ، عن عروة قال : سألت عائشة رضي الله عنها بأي شيء طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه ؟ قالت : بأطيب الطيب ، وفي لفظ : بأطيب ما أقدر عليه ، قبل أن يحرم ، ثم يحرم . وفي لفظ : بأطيب ما وجدت . وفي لفظ عنها قالت : كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو محرم ، وفي لفظ عنها قالت : لكأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يهل . وفي لفظ : وهو يلبي . والألفاظ المماثلة لهذا متعددة في صحيح مسلم عنها رضي الله عنها ، وفي لفظ عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ أن يحرمَ ، يتطيب بأطيب ما يجد ، ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته . وفي لفظ عنها قالت : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ، ويوم النحر ، قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك . وفي صحيح مسلم : أن عائشة لما بلغها قول ابن عمر المتقدم : لأن أطلى بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك ، قالت : أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه ، ثم طاف في نسائه ، ثم أصبح محرماً ا ه . كل هذه الألفاظ في صحيح مسلم . قالوا فهذا الحديث الذي اتفق عليه الشيخان ، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، دليل صحيح صريح في مشروعية الطيب قبل الإحرام ، وإن كان أثره باقياً بعد الإحرام ، بل ولو بقي عينه وريحه ، لأن رؤيتها وبيص الطيب في مفارقه صلى الله عليه وسلم ، وهو محرم صريح في ذلك ، قالوا : وقد وردت آثار عن بعض الصحابة بذلك ، تدل على عدم خصوصية ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم . .
قال صاحب نصب الراية : وقيل إن ذلك من خواصه صلى الله عليه وسلم ، وفيه نظر ، فقد رئي ابن عباس محرماً ، وعلى رأسه مثل الرب من الغالية . وقال مسلم بن صبح : رأيت ابن الزبير ، وهو محرم ، وفي رأسه ولحيته من الطيب ما لو كان لرجل أعد منه رأس مال . انتهى منه . .
فهذا الحديث ، وهذه الآثار : حجة من قال : بالتطيب قبل الإحرام ، ولو كان الطيب يبقى بعد الإحرام . .
وإذا عرفت أقوال أهل العلم وحججهم في هذه المسألة فهذه مناقشة أقوالهم : اعلم أن المالكية ، ومن وافقهم أجابوا عن حديث عائشة المذكور ، بأجوبة : .
منها : أنهم حملوه على أنه تطيب ، ثم اغتسل بعده ، فذهب الطيب قبل الإحرام قالوا : ويؤيد هذا قولها في الرواية الأخرى ( طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه ثم طاف على نسائه ، ثم أصبح محرماً ) فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه ثم زال بالغسل بعده ، لا سيما وقد نقل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى ، ولا يبقى مع ذلك طيب ، ويكون قولها : ثم أصبح ينضح طيباً : أي قبل غسله ، وقد سبق في رواية لمسلم : أن ذلك الطيب كان ذريرة وهي مما يذهبه الغسل ، قالوا : وقولها : كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وهو محرم المراد به : أثره لا جرمه قاله القاضي عياض . وقال ابن العربي : ليس في شيء من طرق حديث عائشة : أن عين الطيب بقيت . .
ومنها : أن ذلك التطيب خاص به صلى الله عليه وسلم . .
ومنها : أن الدوام على الطيب بعد الإحرام كابتداء الطيب في الإحرام ، بجامع الاستمتاع بريح الطيب في حال الإحرام ، في كل منهما قالوا : ومما يؤيد أن ذلك التطيب خاص به صلى الله عليه وسلم : أنه لو كان مشروعاً لعامة الناس لما أنكره عمر ، وعثمان ، وابن عمر مع علمهم بالمناسك وجلالتهم في الصحابة . ولم ينكر عليهم أحد إلا ما أنكرت عائشة على ابن عمر ولما أنكره الزهري ، وعطاء مع علمهما بالمناسك . .
ومنها : أن حديث عائشة المذكور يقتضي إباحة الطيب ، لمن أراد الإحرام ، وحديث يعلى بن أمية : يقتضي منع ذلك ، والمقرر في الأصول : أن الدال على المنع مقدم على الدال على الإباحة ، لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام . .
ومنها : أن حديث يعلى من قول النَّبي صلى الله عليه وسلم بلفظه الصريح في الأمر بإزالة الطيب ، وإنقائه من البدن ، وظاهره العموم لما قدمنا أن خطاب الواحد يعم حكمه الجميع لاستواء الجميع في التكليف ، والعموم القولي لا يعارضه فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه مخصص له كما تقرر في الأصول ، كما أوضحناه سابقاً ، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود : ، لأنه مخصص له كما تقرر في الأصول ، كما أوضحناه سابقاً ، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود : % ( في حقه القول بفعل خصا % إن يك فيه القول ليس نصا ) % .
فهدذا هو حاصل ما أجاب به القائلون : بمنع التطيب ، عند إرادة الإحرام أو كراهته . وأجاب المخالفون بمنع ذلك كله قالوا : دعوى أن التطيب للنساء لا الإحرام ، يرده صريح الحديث في قولها : طيبته لإحرامه ، وادعاء أن اللام للتوقيت ، خلاف الظاهر قالوا وادعاء أن الطيب زال بالمغسل قبل الإحرام ترده الروايات الصريحة ، عن عائشة : أنها كأنها تنظر إلى وبيص الطيب ، في مفرقه صلى الله عليه وسلم وهو محرم ، لأن الوبيص في اللغة : البريق ، واللمعان ، وهو