@ 193 @ { وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الاٌّ نْعَامِ } وهذا الأكل الذي أمر به هنا منها وإطعام البائس الفقير منها ، أمر بنحوه في خصوص البدن أيضاً في قوله تعالى { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ } إلى قوله { فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } ففي الآية الأولى : الأمر بالأكل من جميع بهيمة الأنعام الصادق بالبدن ، وبغيرها ، وقد بينت الآية الأخيرة أن البدن داخلة في عموم الآية الأولى . .
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يرد نص عام ، ثم يرد نص آخر يصرح بدخول بعض أفراده في عمومه ، ومثلنا لذلك بعض الأمثلة وفي الآية العامة هنا أمر بالأكل ، وإطعام البائس الفقير ، وفي الآية الخاصة بالبدن : أمر بالأكل ، وإطعام القانع والمعتر . .
وفي هاتين الآيتين الكريمتين مبحثان . .
الأول : حكم الأكل المأمور به في الآيتين هل هو الوجوب لظاهر صيغة الأمر ، أو الندب والاستحباب ؟ .
المبحث الثاني : فيما يجوز الأكل منه لصاحبه ، وما لا يجوز له الأكل منه ، ومذاهب أهل العلم في ذلك . .
أما المبحث الأول : فجمهور أهل العلم على أن الأمر بالأكل في الآيتين : للاستحباب ، والندب ، لا للوجوب ، والقرينة الصارفة عن الوجوب في صيغة الأمر : هي ما زعموا من أن المشركين ، كانوا لا يأكلون هداياهم فرخص للمسلمين في ذلك . .
وعليه فالمعنى : فكلوا إن شئتم ولا تحرموا الأكل على أنفسكم كما يفعله المشركون ، وقال ابن كثير في تفسيره : إن القول بوجوب الأكل غريب ، وعزا للأكثرين أن الأمر للاستحباب قال : وهو اختيار ابن جرير في تفسيره ، وقال القرطبي في تفسيره : فكلوا منها : أمر معناه : الندب عند الجمهور ، ويستحب للرجل ، أن يأكل من هديه وأضحيته ، وأن يتصدق بالأكثر مع تجويزهم الصدقة بالكل ، وأكل الكل وشذت طائفة ، فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( فكلوا وادخروا وتصدقوا ) قال الكيا قوله تعالى : { فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ } يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه ، ولا التصدق بجميعه . انتهى كلام القرطبي .