@ 194 @ .
ومعلوم : أن بيع جميعه لا وجه لحليته ، بل ولا بيع بعضه ، كما هو معلوم . .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : أقوى القولين دليلاً : وجوب الأكل والإطعام من الهدايا والضحايا ، لأن الله تعالى قال : { فَكُلُواْ مِنْهَا } في موضعين . وقد قدمنا أن الشرع واللغة دلا على أن صيغة أفعل : تدل على الوجوب إلا لدليل صارف ، عن الوجوب ، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك كقوله { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } . .
وأوضحنا جميع أدلة ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك ، منها آية الحج التي ذكرنا عندها مسائل الحج . .
ومما يؤيد أن الأمر في الآية يدل على وجوب الأكل وتأكيده : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر مائة من الإبل فأمر بقطعة لحم من كل واحدة ، منها فأكل منها وشرب من مرقها ) . وهو دليل واضح على أنه أراد ألا تبقى واحدة ، من تلك الإبل الكثيرة إلا وقد أكل منها أو شرب من مرقها ، وهذا يدل على أن الأمر في قوله : { فَكُلُواْ مِنْهَا } ليس لمجرد الاستحباب والتخيير ، إذ لو كان كذلك لاكتفى بالأكل من بعضها ، وشرب مرقه دون بعض ، وكذلك الإطعام فالأظهر فيه الوجوب . .
والحاصل : أن المشهور عند الأصوليين : أن صيغة أفعل : تدل على الوجوب إلا لصارف عنه ، وقد أمر بالأكل من الذبائح مرتين ، ولم يقم دليل يجب الرجوع إليه صارف عن الوجوب وكذلك الإطعام ، هذا هو الظاهر بحسب الصناعة الأصولية ، وقد دلت عليها أدلة الوحي ، كما قدمنا إيضاحه . وقال أبو حيان في البحر المحيط : والظاهر وجوب الأكل والإطعام وقيل باستحبابهما . وقيل : باستحباب الأكل ، ووجوب الإطعام . والأظهر أنه : لا تحديد للقدر الذي يأكله والقدر الذي يتصدق به ، فيأكل ما شاء ويتصدق بما شاء ، وقد قال بعض أهل العلم : يتصدق بالنصف ، ويأكل النصف ، واستدل لذلك بقوله تعالى : { فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ } قال : فجزأها نصفين نصف له ، ونصف للفقراء ، وقال بعضهم : يجعلها ثلاثة أجزاء ، يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ، ويهدي الثلث ، واستدل بقوله تعالى : { فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } فجزأها ثلاثة أجزاء ، ثلث له ، وثلث للقانع ، وثلث للمعتر . هكذا قالوا وأظهرها الأول ، والعلم عند الله تعالى ،