@ 375 @ ذلك ، ولم يكن مستند حكم النبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ ما أطلعه اللَّه عليه ، انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر في ( فتح الباري ) . .
قال مقيّده عفا اللَّه عنه وغفر له : الذي يظهر لي رجحانه بالدليل ، هو مذهب الجمهور من عدم قبول شهادة الكفار مطلقًا ؛ لأن اللَّه يقول في المسلمين الفاسقين : { وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ، وإذا نصّ اللَّه جلّ وعلا في محكم كتابه على عدم قبول شهادة الفاسق ، فالكافر أولى بذلك ، كما لا يخفى . وقد قال جلّ وعلا في شهود الزنا ، أعاذنا اللَّه وإخواننا المسلمين منه : { وَاللَاتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ } ، فخصّ الأربعة بكونهم منّا ، ويمكن أن يجيب المانع بأن أوّل الآية فيه { مّن نِّسَائِكُمُ } ، فلا نتناول نساء أهل الذمّة ونحوهم من الكفّار ، وأنه لا تقبل شهادة كافر في شىء إلاّ بدليل خاص كالوصيّة في السفر ، إذا لم يوجد مسلم ؛ لأن اللَّه نصّ على ذلك بقوله : { يِأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ شَهَادَةُ } . .
والتحقيق أن حكمها غير منسوخ ، لأن القرءان لا يثبت نسخ حكمه ، إلاّ بدليل يجب الرجوع إليه ، والآيات التي زعم من ادّعى النسخ أنها ناسخة لها ؛ كقوله : { ذَوَى عَدْلٍ مّنكُمْ } ، وقوله : { مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء } ، وقوله : { وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } . .
والجمهور على أن الأعمّ لا ينسخ الأخص ، خلافًا لأبي حنيفة . .
أمّا حديث جابر المشار إليه الذي يفهم منه قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض في حدّ الزنى ، فقد قال فيه أبو داود رحمه اللَّه في سننه : حدّثنا يحيى بن موسى البلخي ، ثنا أبو أُسامة ، قال مجالد : أخبرنا عن عامر ، عن جابر بن عبد اللَّه ، قال : جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا ، فقال : ( ائتوني بأعلم رجلين منكم ) ، الحديث . وفيه : فدعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالشهود ، فجاءوا بأربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة ، فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم برجمهما ، انتهى محل الغرض منه . .
وظاهر المتبادر منه : أن الشهود الذين شهدوا من اليهود كما لا يخفى ، فظاهر الحديث دال دلالة واضحة على قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض ، في حدّ الزنى ، إن كان صحيحًا ، والسند المذكور الذي أخرجه به أبو داود لا يصحّ ؛ لأن فيه مجالدًا وهو