@ 509 @ .
ومن أمثلة تعدّي الغضّ ب { مِنْ } قوله تعالى : { يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ } و { يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } ، وما ذكره هنا من الأمر بغضُّ البصر قد جاء في آية أخرى تهديد من لم يمتثله ، ولم يغضّ بصره عن الحرام ، وهي قوله تعالى : { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الاْعْيُنِ } . .
وقد قال البخاري رحمه اللَّه : وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن : إن نساء العجم يكشفن صدرهن ورءُوسهن ، قال : اصرف بصرك عنهن ، يقول اللَّه عزّ وجلّ : { قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } ، قال قتادة : عمّا لا يحلّ لهم ، { وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } ، خائنة الأعين النظر إلى ما نهي عنه ، اه محل الغرض منه بلفظه . .
وبه تعلم أن قوله تعالى : { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الاْعْيُنِ } فيه الوعيد لمن يخون بعينه بالنظر إلى ما لا يحلّ له ، وهذا الذي دلّت عليه الآيتان من الزجر عن النظر إلى ما لا يحلّ جاء موضحًا في أحاديث كثيرة . .
منها : ما ثبت في الصحيح ، عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّه عنه : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : ( إياكم والجلوس بالطرقات ) ، قالوا : يا رسول اللَّها ما لنا من مجالسنا بدّ نتحدث فيها ، قال : ( فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقّه ) ، قالوا : وما حقّ الطريق يا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ؟ قال : ( غضّ البصر ، وكفّ الأذى ، وردّ السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ) ، انتهى . هذا لفظ البخاري في ( صحيحه ) . .
ومنها ما ثبت في الصحيح عن عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما ، قال : أردف النبيّ صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته ، وكان الفضل رجلاً وضيئًا فوقف النبيّ صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم ، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها ، فالتفت النبيّ صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها ، فأخلف بيده ، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها ، الحديث . .
ومحل الشاهد منه : أنه صلى الله عليه وسلم صرف وجه الفضل عن النظر إليها ، فدلّ ذلك على أن نظره إليها لا يجوز ، واستدلال من يرى أن للمرأة الكشف عن وجهها بحضرة الرجال الأجانب بكشف الخثعمية وجهها في هذا الحديث ، سيأتي إن شاء اللَّه الجواب عنه في