@ 530 @ .
وقد بيّنا مرارًا من أن صيغة الأمر المجرّدة عن القرائن تقتضي الوجوب ، وبذلك تعلم أن الخالية من زوج إذا خطبها كفء ورضيته ، وجب على وليّها تزويجها إياه ، وأن ما يقوله بعض أهل العلم من المالكية ومن وافقهم ، من أن السيّد له منع عبده وأَمته من التزويج مطلقًا غير صواب لمخالفته لنصّ القرءان في هذه الآية الكريمة . .
واعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة : { وَإِمائِكُمْ } ، بيّنت آية ( النساء ) أن الأَمة لا تزوّج للحرّ إلا بالشروط التي أشارت إليها الآية ، فآية ( النساء ) المذكورة مخصّصة بعموم آية ( النور ) هذه بالنسبة إلى الإيماء ، وآية ( النساء ) المذكورة هي قوله تعالى : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ } إلى قوله تعالى : { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } ، فدلّت آية ( النساء ) هذه على أن الحرّ لا يجوز له أن يتزوّج المملوكة المؤمنة ، إلا إذا كان غير مستطيع تزويج حرّة لعدم الطول عنده ، وقد خاف الزنى فله حينئذ تزوّج الأَمة بإذن أهلها المالكين لها ، ويلزمه دفع مهرها ، وهي مؤمنة عفيفة ليست من الزانيات ولا متّخذات الأخدان ، ومع هذا كلّه فصبره عن تزويجها خير له ، وإذا كان الصبر عن تزويجها مع ما ذكرنا من الاضطرار خيرًا له فمع عدمه أولى بالمنع . وبما ذكرنا تعلم أن الصواب قول الجمهور من منع تزويج الحر الأَمَة ، إلا بالشروط المذكورة في القرءان ؛ كقوله تعالى : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } ، وقوله : { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } ، أي : الزنى إلى آخر ما ذكر في الآية خلافًا لأبي حنيفة القائل بجواز نكاحها مطلقًا ، إلاّ إذا تزوّجها على حرة . .
والحاصل أن قوله تعالى في آية ( النور ) هذه : { وَإِمائِكُمْ } خصّصت عمومه آية ( النساء ) كما أوضحناه آنفًا ، والعلماء يقولون : إن علّة منع تزويج الحر الأمة ، أنها إن ولدت منه كان ولدها مملوكًا ؛ لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها ، فيلزمه ألاّ يتسبّب في رقّ أولاده ما استطاع ، ووجهه ظاهر كما ترى . .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : { إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } ، فيه وعد من اللَّه للمتزوّج الفقير من الأحرار ، والعبيد بأن اللَّه يغنيه ، واللَّه لا يخلف الميعاد ، وقد وعد اللَّه أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الفقراء باليسر بعد ذلك العسر ، وأنجز لهم ذلك ، وذلكم في قوله تعالى : { وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } ، أي : ضيق عليه رزقه إلى قوله