@ 52 @ ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار يحشرون على وجوههم إلى جهنم يوم يالقيامة ، وأنهم شرّ مكانًا وأضلّ سبيلاً . وبيَّن في مواضع أُخر أنهم تكبّ وجوههم في النار ويسحبون على وجوههم فيها ؛ كقوله تعالى : { وَمَن جَاء بِالسَّيّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ } ، وقوله تعالى : { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ } ، وقوله تعالى : { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } ، وبيَّن جلَّ وعلا في سورة ( بني إسرائيل ) أنهم يحشرون على وجوههم ، وزاد مع ذلك أنهم يحشرون عميًا وبكمًا وصمًّا ، وذكر في سورة ( طه ) ، أن الكافر يحشر أعمى ، قال في سورة ( بني إسرائيل ) : { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } ، وقال في سورة ( طه ) : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذالِكَ أَتَتْكَ ايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا } . .
وقد بيَّنا وجه الجمع في آية ( بني إسرائيل ) ، وآية ( طه ) المذكورتين مع الآيات الدالَّة على أن الكفّار يوم القيامة يبصرون ويتكلّمون ويسمعون ؛ كقوله تعالى : { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا } ، وقوله تعالى : { رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ } ، وقوله تعالى : { وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا } ، في سورة ( طه ) ، في الكلام على قوله تعالى : { وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى } ، وكذلك بيّنا أوجه الجمع بين الآيات المذكورة في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) ، في الكلام على آية ( بني إسرائيل ) المذكورة . .
وصيغة التفضيل في قوله : { أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً } ، قد قدّمنا الكلام في مثلها في الكلام على قوله : { أَذالِكَ خَيْرٌ * ءانٍ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وَعِدَ الْمُتَّقُونَ } ، والمكان محل الكينونة . والظاهر أنه يكون حسيًّا ، ومعنويًا . فالحسي ظاهر ، والمعنوي ؛ كقوله تعالى : { قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ } ، والسبيل الطريق وتذكّر وتؤنّث كما تقدّم ، ومن تذكير السبيل قوله تعالى : { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَىّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } ، ومن تأنيثها قوله تعالى : { قُلْ هَاذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } .