@ 55 @ وعاد ، وثمود ، وأصحاب الرس ، والقرون الكثيرة بين ذلك : أنه ضرب لكل منهم الأمثال ليبيّن لهم الحق بضرب المثل ؛ لأنه يصير به المعقول كالمحسوس ، وأنه جلَّ وعلا تبّر كلاًّ منهم تتبيرًا ، أي : أهلكهم جميعًا إهلاكًا مستأصلاً ، والتتبير الإهلاك والتكسير ، ومنه قوله تعالى : { وَلِيُتَبّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا } ، وقوله تعالى : { إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ } ، أي : باطل ، وقوله تعالى : { وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً } ، أي : هلاكًا ، وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة ، وهما أنه جلَّ وعلا ضرب لكل منهم الأمثال ، وأنه تبرهم كلهم تتبيرًا جاءا مذكورين في غير هذا الموضع . .
أما ضربه الأمثال للكفّار ، فقد ذكره جلَّ وعلا في غير هذا الموضع ؛ كقوله تعالى في سورة ( إبراهيم ) : { أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِى مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الامْثَالَ } . وأمّا تتبيره جميع الأُمم لتكذيبها رسلها ، فقد جاء موضحًا في آيات كثيرة ؛ كقوله تعالى في سورة ( الأعراف ) : { وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } ، وقوله تعالى في سورة ( سبأ ) : { وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } ، وقوله في ( الزخرف ) : { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى } ، وقوله تعالى : { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ } ، إلى غير ذلك من الآيات الدالَّة على أن جميع الأُمم كذبوا رسلهم ، وأن اللَّه أهلكهم بسبب ذلك ، وقد بيَّن جلَّ وعلا في آية أخرى أن هذا العموم لم يخرج منه إلا قوم يونس دون غيرهم ، وذلك في قوله تعالى : { فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ءامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْىِ فِى الْحَيَواةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ } . .
ويدلّ على ذلك أيضًا قوله تعالى : { وَأَرْسَلْنَا * إِلَى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَئَامَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } ، وما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه ضرب الأمثال لكل منهم ، لم يبيّن فيه هنا هل ضرب الأمثال أيضًا لهذه الأُمّة الكريمة التي هي آخر الأُمم في هذا القرءان ، كما ضربها لغيرهم من الأُمم ، ولكنه تعالى بيَّن في آيات كثيرة أنه