أكمل خصال الإيمان لبسه فإذا نقص منها شيء نزعه وكل هذا إشارة إلى الإيمان الكامل التام الذي لا ينقص من واجباته شيء والمقصود أن من جملة خصال الإيمان الواجبة أن يحب المرء لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه فإذا زال ذلك عنه فقد نقص إيمانه وقد روي أن النبي A قال لأبي هريرة أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا خرجه الترمذي وابن ماجه وخرج الإمام أحمد من حديث معاذ أنه سأل النبي A عن أفضل الإيمان قال أفضل الإيمان أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله قال وما ذا يا رسول الله قال أن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك وأن تقول خيرا أو تصمت وقد رتب النبي A دخول الجنة على هذه الخصلة ففي مسند الإمام أحمد C عن يزيد بن أسد القسري قال قال لي رسول الله A أتحب الجنة قلت نعم قال فأحب لأخيك ما تحب لنفسك وفي صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي A قال من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه وفيه أيضا عن أبي ذر Bه قال قال لي رسول الله A يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تتأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم وإنما نهاه عن ذلك لما رأى من ضعفه وهو A يحب هذا لكل ضعيف وإنما كان يتولى أمور الناس لأن الله قواه على ذلك وأمره بدعاء الخلق كلهم إلى طاعته وأن يتولى سياسة دينهم ودنياهم وقد روي عن على Bه أنه قال قال لي النبي A إني أرضى لك ما أرضى لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي لا تقرأ القرآن وأنت جنب ولا أنت راكع ولا ساجد وكان محمد بن واسع يبيع حمارا له فقال له رجل أترضاه لي قال لو رضيته لم أبعه وهذه إشارة منه إلى أنه لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه وهذا كله من جملة النصيحة لعامة المسلمين التي هي من جملة الدين كما سبق تفسير ذلك في موضعه وقد ذكرنا فيما تقدم حديث النعمان بن بشير Bه عن النبي A قال مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر خرجاه في الصحيحين وهذا يدل على أن المؤمن يسوءه ما يسوء أخاه المؤمن ويحزنه ما يحزنه وحديث أنس الذي نتكلم الآن فيه يدل على أن المؤمن يسره ما يسر أخاه المؤمن ويريد لأخيه المؤمن ما يريد لنفسه من الخير وهذا كله إنما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغش والغل والحسد فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير أو يساويه فيه لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله وينفرد بها عنهم والإيمان يقتضي خلاف ذلك وهو أن يشركه المؤمنون كلهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء وقد مدح الله تعالى في كتابه من لا يريد العلو في الأرض ولا الفساد فقال تلك الدار الآخرة