لي مالا لعملت فيه بالمعاصي كما عمل فلان ليس هو العمل بالمعصية التي هم بها وإنما أخبر عما هم به فقط مما متعلقه إنقاق المال في المعاصي وليس له مال بالكلية وأيضا فالكلام بذلك محرم فكيف يكون معفوا عنه غير معاقب عليه وأما إن انفسخت نيته وفترت عزيمته من غير سبب منه فهل يعاقب على ما هم به من المعصية أم لا هذا على قسمين أحدهما أن يكون الهم بالمعصية خاطرا ولم يساكنه صاحبه ولم يعقد قلبه عليه بل تكرهه ونفر منه فهو معفو عنه وهو الوساوس الرديئة التي سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها فقال ذلك صريح الإيمان ولما نزل قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء البقرة شق ذلك على المسلمين وظنوا دخول هذه الخواطر فيه فنزلت الآية بعدها وفيها قوله ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به البقرة فبينت أن ما لا طاقة لهم به فهو غير مؤاخذ به ولا يكلف به وقد سمي ابن عباس وغيره ذلك نسخا ومرادهم أن هذه الآية أزالت الإبهام الواقع في النفوس من الآية الأولي وبين أن المراد بالآية الأولي العزائم المصمم عليها ومثل هذا كان السلف يسمونه نسخا القسم الثاني العزائم المصممة التي تقع في النفوس وتدوم ويساكنها صاحبها فهذا أيضا نوعان أحدهما ما كان عملا مستقلا بنفسه من أعمال القلوب كالشك في الوحدانية أو النبوة أو البعث أو غير ذلك من الكفر واعتقاد تكذيب ذلك فهذا كله يعاقب عليه العبد ويصير بذلك كافرا أو منافقا وقد روى عن ابن عباس أنه حمل قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله البقرة على مثل هذا وروى عنه حملها على كتمان الشهادة لقوله ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ويلحق بهذا القسم سائر المعاصي المتعلقة بالقلوب كمحبة ما يبغضه الله وبغض ما يحب الله والكبر والعجب والحسد وسوء الظن بالمسلم من غير موجب مع أنه قد روى عن سفيان أنه قال في سوء الظن إذا لم يترتب عليه قول أو فعل فهو معفو عنه وكذلك روى عن الحسن أنه قال في الحسد ولعل هذا محمول من قولها على ما يجده الإنسان ولا يمكنه دفعه فهو يكرهه ويدفعه عن نفسه فلا يندفع إلا على ما يساكنه ويستروح إليه ويعيد حديث نفسه به ويبديه والنوع الثاني ما لم يكن من أعمال القلوب بل كان من أعمال الجوارح كالزنا والسرقة وشرب الخمر والقتل والقذف ونحو ذلك إذا أصر العبد على إرادة ذلك والعزم عليه ولم يظهر له أثر في الخارج أصلا فهذا في المؤاخذة به قولان مشهوران للعلماء أحدهما الأخذ به قال ابن المبارك سألت سفيان الثوري أيؤاخذ العبد بالهم فقال إذا كانت عزما أوخذ ورجح هذا القول كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم واستدلوا له بنحو قوله تعالى واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه