قد صبغ قلبي على مقدار حبهم فما لحب سواهم فيه متسع وإلي هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته لما قدم المدينة فقال أحبوا الله من كل قلوبكم كما ذكره ابن إسحاق في سيرته فمتي امتلأ القلب بعظمة الله تعالى محا ذلك من القلب كل ما سواه ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه ولا إرادة إلا لما يريده منه مولاه فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره ولا يتحرك إلا بأمره فإن نطق نطق بالله وإن سمع سمع به وإن نظر نظر به وإن بطش بطش به فهذا هو المراد بقوله كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ومن أشار إلى غير هذا فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول والاتحاد والله ورسوله بريئان منه ومن هنا كان بعض السلف كسليمان التيمي يقولون إنه لا يحسن أن يعصي الله وأوصت امرأة من السلف أولادها فقالت لهم تعودوا حب الله وطاعته فإن المتقين ألفوا الطاعة فاستوحشت جوارحهم من غيرها فإن عرض لهم الملعون بمعصية مرت المعصية بهم محتشمة فهم لها منكرون ومن هذا المعنى قول على بن أبي طالب إن كنا نري أن شيطان عمر ليهابه أن يأمره بالخطيئة وقد أشرنا فيما سبق إلى أن هذا من أسرار التوحيد الخاص فإن معنى لا إله إلا الله لا يؤله غيره حبا ورجاء وخوفا وطاعة فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله ولا كراهة لغير ما يكرهه الله ومن كان كذلك لم تنبعث جوارحه إلا بطاعة الله وإنما تنشأ الذنوب من محبة ما يكرهه الله أو كراهة ما يحبه الله وذلك ينشأ من تقديم هوي النفس على محبة الله تعالى وخشيته وذلك يقدح في كمال التوحيد الواجب فيقع العبد بسبب ذلك في التفريط في بعض الواجبات وارتكاب بعض المحظورات فإن من تحقق قلبه بتوحيد الله فلا يبقي له هم إلا في الله وفيما يرضيه به وقد ورد في الحديث مرفوعا من أصبح وهمه غير الله فليس من الله قال بعض العارفين من أخبرك أن لوليه هم في غيره فلا تصدقه وكان داود الطائي ينادي بالليل همك عطل على الهموم وحال بيني وبين السهاد وشوقي إلى النظر إليك أوبق مني اللذات وحال بيني وبين الشهوات فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب وفي هذا المعنى يقول بعضهم قالوا تشاغل عنا واصطفي بدلا منا وذلك فعل الخائن السالي وكيف أشغل قلبي عن محبتكم بغير ذكركم ياكل أشغالي قوله ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وفي رواية أخرى إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته يعني أن هذا المحبوب المقرب له عند الله منزلة خاصة تقتضي أنه إذا سأل الله أعطاه شيئا وإذا استعاذ به من شيء أعاذه منه وإن دعاه أجابه فيصير مجاب