فيه إلى شبهة يظنها دليلا ويكون مأجورا على اجتهاده ومغفورا له خطؤه لعدم اعتماده وقوله A فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام قسم الناس في الأمور المشتبهة إلى قسمين وهذا إنما هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه وهو ممن لا يعلمها فأما من كان عالما بها واتبع ما دله علمه عليها فلذلك قسم ثالث لم نذكره لظهور حكمه فإن هذا القسم أفضل الأقسام الثلاثة لأنه علم حكم الله في هذه الأمور المشتبهة على الناس واتبع علمه في ذلك وأما من لم يعلمه حكم الله فيها فهم قسمان أحدهما من يتقي هذه الشبهات لاشتباهها عليه فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه ومعنى استبرأ طلب البراءة لدينه وعرضه من النقص والشين والعرض هو موضع المدح والذم من الإنسان وما يحصل له بذكره بالجميل مدح وبذكره بالقبيح قدح وقد يكون ذلك تارة في نفس الإنسان وتارة في سلفه أو في أهله فمن اتقى الأمور المشتبهة واجتنبها فقد حصن عرضه من القدح والشين الداخل على من لا يجتنبها وفي هذا دليل على أن من ارتكب الشبهات فقد عرض نفسه للقدح فيه والطعن كما قال بعض السلف من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء الظن به وفي رواية للترمذي في هذا الحديث فمن تركها استبراء لدينه وعرضه فقد سلم والمعني أن من تركها بهذا القصد وهو براءة دينه وعرضه عن النقص لا لغرض آخر فاسد من رياء ونحوه وفيه دليل على أن طلب البراءة للعرض ممدوح كطلب البراءة للدين ولهذا ورد كل ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة وفي رواية في الصحيحين في هذا الحديث فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك يعني أن من ترك الإثم مع اشتباهه عليه وعدم تحققه فهو أولى بتركه إذا استبان له أنه إثم وهذا إذا كان تركه تحرزا من الإثم فأما من يقصد التصنع للناس فإنه لا يترك إلا ما يظن أنه ممدوح عندهم القسم الثاني من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهة عنده فأما من أتى شيئا مما يظنه الناس شبهة لعلمه بأنه حلال في نفس الأمر فلا حرج عليه من الله في ذلك لكن إذا خشي من طعن الناس عليه بذلك كان تركها حينئذ استبراء لعرضه فيكون حسنا وهذا كما قال النبي A لمن رآه واقفا مع صفية إنها صفية بنت حيي وخرج أنس إلى الجمعة فرأى الناس قد صلوا ورجعوا فاستحيا ودخل موضعا لا يراه الناس فيه وقال من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله وخرجه الطبراني مرفوعا ولا يصح وإن أتى ذلك لاعتقاده أنه حلال إما باجتهاد سائغ أو تقليد سائغ وكان مخطئا في اعتقاده فحكمه حكم الذي قبله فإن كان الاجتهاد ضعيفا أو التقليد غير سائغ وإنما حمل عليه مجرد اتباع الهوى فحكمه حكم من أتاه مع اشتباهه عليه والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه قد أخبر عنه النبي A أنه وقع في الحرام فهذا يفسر بمعنيين أحدهما أن يكون ارتكابه للشبهة مع اعتقاده أنها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنه حرام بالتدريج