- روى الطبراني والحاكم وقال صحيح الإسناد مرفوعا عن الله D قال : [ [ النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركها من مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه ] ] . وروى الإمام أحمد مرفوعا : [ [ ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوته في قلبه ] ] . ولفظ الطبراني : [ [ ما من مسلم ينظر إلى امرأة أول رمقة ] ] . قال البيهقي : والمراد أن يقع بصره على المرأة من غير قصد فيصرف بصره عنها تورعا لا أنه يقصد النظر إليها أولا . وروى الأصبهاني مرفوعا : [ [ كل عين باكية يوم القيامة إلا عينا غضت عن محارم الله ] ] . وفي رواية للطبراني مرفوعا : ثلاثة لا ترى أعينهم النار فذكر منهم وعين كفت عن محارم الله . وروى الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد مرفوعا : [ [ اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة فذكر منها : وغضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم ] ] . وروى مسلم عن جرير قال : سألت رسول الله A عن نظر الفجأة فقال اصرف بصرك . والله تعالى أعلم .
- ( أخذ علينا العهد العام من رسول الله A ) أن نغض بصرنا عن رؤية كل ما نهانا الله تعالى عن النظر إليه من مستحسنات الدنيا المحسوسة والمعنوية وأن نروض نفوسنا قبل الغض بالجوع ونحوه حتى يصير غض البصر مما تعطيه سجيتنا لا نتكلف له .
ويحتاج من يريد ذلك إلى السلوك على يد شيخ ناصح . وقد كان السلف الصالح Bهم مع كمالهم وتمكنهم يجعلون على رؤوسهم الطيلسان ويرخون حاشية الرداء على أعينهم حتى يكون بصرهم مكفوفا فلا يرون إلا مواقع الأقدام وبعضهم كان يلبس البرنس صيفا وشتاء منهم أنس بن مالك Bه . وكان يقول إنه يكف البصر عن فضول النظر وتبعهم على ذلك سادات الصوفية وأمروا به مريديهم إذا خرجوا إلى السوق حتى يرجعوا وللشيخ جلال الدين السيوطي في ذلك مؤلف سماه الأحاديث الحسان فيما ورد في الطيلسان . وقد خرج شخص من مريدي سيدي مدين مرة بغير طيلسان فرأى جرة خمر فكسرها فهجره سيدي مدين فقيل له في ذلك فقال : إني لم أهجره من أجل كسر جرة الخمر وإنما هجرته من جهة تعاطيه أسباب فضول النظر وعدم خروجه إلى السوق بالطيلسان فعرض نفسه لأمر قد يعجز عنه ولو أنه خرج من بطيلسان أو غض بصره لما وقع بصره على محرم .
ويتعين فعل ما ذكرناه اليوم من غض البصر على فقراء الزاوية لعدم ضبطهم على امتثال أمر الله لهم بغض البصر فإذا لبسوا الطيلسان رد بصرهم قهرا ويصير ينبههم على الكف حين يحتاجون لرفع الرأس ويتكلفون لرفعه بخلاف ما إذا تركوا الطيلسان فإنه يسهل عليهم الالتفات إلى طبقات البيوت وغيرها .
وسيأتي في عهود المنهيات في معنى حديث : وكانت خطيئة أخي داود عليه السلام النظر أن المراد بالخطيئة كونه رفع بصره عليه السلام بغير حضور وذلك لأن الأكابر مكلفون بأن لا يقع منهم حركة ولا سكون إلا بعد حضور مع الله ومراقبة له فكانت الخطيئة عين الرفع مع الغفلة لا عين النظر إلى امرأة أو رياء كما قيل لأن الأنبياء معصومون عن الوقوع في النظر المحرم ولو فجأة لعكوفهم بقلوبهم في حضرة الإحسان فلا يقع منهم خطيئة لا سهوا ولا عمدا . وأيضا فإنهم مشرعون لأممهم في جميع الحركات والسكنات فلو صح في حقهم الوقوع في معصية ما لصدق عليهم تشريع المعاصي ولا قائل بذلك من المسلمين فكانت ذنوبهم صورية ليروا من وقع من أممهم في خطيئة كيف يفعل وقد بكى داود حتى نبت العشب من دموعه تعظيما لحرمات الله تعالى على أن قومه يفعلونها فكان بكاؤه A إنما هو من باب شفقته على قومه كما كان A يستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة وقال : إنه ليغان على قلبي . يعني مما ستقع فيه أمتي بعدي هكذا كان سيدي علي الخواص يقول لنا في معنى استغفار المعصومين وقال جميع ما ذكر عن الأنبياء مما يخالف هذا إنما أخذه الناس من كتب اليهود الذين كذبهم الله تعالى في وجوههم ولم يأتنا ذلك في كتاب ولا سنة وإنما جاء الأمر مجملا والأنبياء من مقامهم العكوف في حضرة الإحسان التي منها حفظ من حفظ من الأولياء الذين دخلوا حضرة الإحسان .
فاسلك يا أخي على يد شيخ ناصح ليدلك على دخول الحضرة التي تحفظ منها جوارحك عن الوقوع في شيء من المعاصي ولا يصير لها قط شهوة إلى معصية وإلا فمن لازمك الوقوع حتى لا يكاد يسلم لك عضو واحد من أعضائك من المعصية والله يتولى هداك .
وسمعت سيدي عليا الخواص يقول : مراتب شهود الأكابر أن لا يروا شيئا إلا ويرون الله تعالى قبله فيكون الحق تعالى حاجبا لهم عن الأكوان ومثل هؤلاء لا يؤمرون بغض النظر كالغير وإنما يغضون أبصارهم حياء من الله تعالى وإجلالا له . قال ومشهد من دونهم أن لا يروا شيئا إلا ويرون الحق تعالى معه فيشهدون الحق مع الخلق مع الفرق بين العبد والرب ومشهد أصحاب الفكر من العلماء أن لا يشهدوا شيئا إلا ويرون الله بعده لأن الأكوان أمارات على القدرة الإلهية والصنعة تدل على الصانع بيقين .
وسمعت أخي أفضل الدين يقول : من شهد الخلق مع الحق معا فهو الكامل الذي لا أكمل منه خلاف قول الجنيد وغيره من شهد الخلق لم ير الحق ومن شهد الحق لم ير الخلق . قلت : وقول أخي أفضل الدين هو الحق لا سيما والرسول مكلف برعاية أمته ليلا ونهارا من حيث الأمر والنهي ومعظم رسالته إنما هو لأجلهم إذا كان شهود الحق تعالى حاجبا له عن الكون فلمن يأمر وينهى ولمن يخاطب بالتكاليف وفيمن يجاهد بالسيف فتأمل . فقد علمت يا أخي أن كراهة عدم غض البصر إنما هو في حق من يورثه ذلك محظورا لا في حق أهل الله تعالى المتقدم ذكرهم . والله تعالى أعلم