- روى الشيخان واللفظ لهما وأبو داود والنسائي أن رسول الله A قال : [ [ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإن أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ] ] . وروى ابن ماجه مرفوعا : [ [ من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر ] ] . يعني اللائى يعففنه عن النظر إلى الأجانب . وروى الترمذي مرفوعا وقال حديث حسن : [ [ أربع من سنن المرسلين الحناء والتعطر والسواك والنكاح ] ] . وفي بعض الروايات : والحياء بالياء ودون النون . وروى البيهقي مرفوعا : [ [ إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين فليتق الله في النصف الباقي ] ] . وروى الترمذي وقال حسن صحيح وابن حبان في صحيحه والحاكم مرفوعا : [ [ ثلاثة حق على الله عونهم : المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف ] ] . وروى الطبراني والبيهقي مرسلا بإسناد حسن : [ [ من كان موسرا وهو محتاج لأن ينكح فلم ينكح فليس مني ] ] . وروى الشيخان وغيرهما : في خبر الثلاثة الذين قال أحدهم أما أنا فأعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فقال لي رسول الله A لكني أصلي وأرقد وأصوم أفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ] ] . والله تعالى أعلم .
- ( أخذ علينا العهد العام من رسول الله A ) أن نختار التزويج على العزوبة ولو كنا في عبادة ليلا ونهارا ونعين من طلب التزويج جهدنا وذلك لأن عبادة العازب ناقصة وإنما مدح الله تعالى السيد يحيى عليه السلام بالعزوبة بقوله : وسيدا وحصورا . لأن مقامه أعطى ذلك فخرج عن الشهوة الغالبة على البشر . وقال الشيخ محيي الدين بن العربي C : لم تكن العزوبة مقصودة ليحيى عليه السلام وإنما ذلك لأن زكريا كان يعجبه حال مريم عليها السلام كلما دخل عليها من حيث أنها كانت بتولا أي منقطعة عن الأزواج فلما استفرغ وسعه في ذلك خرج ولده يحيى كذلك فما هي صفة كمال في نفس الأمر بدليل أن الله تعالى أثنى على الرسل بالتزويج في قوله تعالى : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } .
وكم يقع العازب في فاحشة ويستره الله وكم تخطر في باله الفاحشة ويحميه الله وكم يصلي صلاة وجارحته منتشرة في حال الصلاة وكم يسيء الناس ظنهم به وكم يمنعونه عن السكنى بين النساء في الربوع وغيرها ولو أنه تزوج لكان أعف نفسه عن مثل ذلك ومن هنا ورد : من غسل واغتسل ثم أتى الجمعة . أي أتى زوجته قبل أن يحضر لصلاة الجمعة خوفا أن يخطر في باله وهو بين يدي الله D الجماع ولو حلالا في تلك الحضرة الخاصة والجمع العظيم فإذا جامع زوجته وخرج للجمعة أمن من ذلك .
ومن فوائد التزويج أنه ينشط الكسلان للمكسب الحلال بالأصالة وإن وقع بسببه في الكسب الحرام فليس ذلك بالأصالة وإنما هو بالعرض .
وقد حكى لي شيخا Bه : أن شخصا كان يتعبد في زاوية ويأكل من صدقات الناس وأوساخهم وكان كثير التزويج فكانت كل امرأة تزوجها لا تقيم معه إلا نحو يومين أو ثلاثة أو جمعة ثم يطلقها حين تطلب النفقة فخطب امرأة صاحبة عقل فنصحها الناس عنه فقالت تزوجته وتوكلت على الله فلما كان اليوم الثاني من دخوله بها قالت له يا رجل أما تخرج تكتسب للأولاد شيئا ؟ فقال ما أعرف صنعة فقالت له خذ هذه الحلقة الذهب وبعها واشتر بها لنا فولا فاشترى به نحو ثلاثة أرادب فشرعت تنقي هي وإياه ثم بلته بالماء إلى اليوم الثاني ثم سلقته وقالت أخرج بعه وقل يا صباح العافية فما زال يبيع إلى قريب الظهر ثم جعلت الباقي مقيلي وقالت أخرج به بمشاق أو نخالة أو بخبز ولا تتوقف فما فرغ لنصف العصر فلقيه بعض إخوانه بعد جمعة وقال قد تعجبنا من إقامة هذه المرأة معك هذه المدة فقال : والله ما أنا فارغ أطلق فإني إلى الظهر في الفول الحار وإلى نصف العصر في المقيلي .
واعلم أن الله تعالى قال : { الرجال قوامون على النساء } . ففضل الرجال على النساء بذلك فمن لا كسب له فهو والمرأة سواء في الدرجة . وانظر يا أخي إلى إيجار السيد موسى عليه السلام نفسه عشر سنين في تحصيل مهر امرأة تعرف مقدار التزويج .
وقال لي بعض فقراء العصر وقع لي أني أمرت بعض الفقراء المتعبدين عندي في الزاوية بالتزويج فقال لا حاجة لي بذلك فغلبته نفسه فوقع في الزنا فتزوج يا عازب واسع سعي الرجال فلأن تتزوج وتسأل الناس وتكتسب بنصب وتعب خير لك من أن تأتي يوم القيامة زانيا أو محشورا مع قوم لوط ولو كنت على عبادة الثقلين .
ومن القواعد أن السلامة مقدمة على الغنيمة وقول بعض الفقراء في هذا الزمان أن العزوبة مقدمة على التزويج إنما ذلك في حق من لم يخف على نفسه العنت أما من يخاف العنت فالتزويج مطلوب له بالإجماع وقد ورد : شراركم عزابكم وورد : خيركم بعد المائتين الخفيف الحاذ . وهو الذي لا أهل له ولا زوجة . وهما محمولان على ما قررناه .
وكان سيدي عليا الخواص C يقول لمن شاوره في التزويج وليس له كسب شاور يا أخي غيري أتريد مني أن أعلمك سرقة العمائم ؟ .
فتلخص من جميع ذلك أن صفة التزويج أولى من صفة العزوبة بكل حال لأجل النسل والإعفاف . { والله عليم حكيم }