[266] معنى هذا حينئذ أنّ عصر الشريعة الإسلامية قد انقضى، فإنّ أحكامه الأولية غير قابلة لإدارة شؤون المجتمع، ولذا فهو يلجأ دائماً إلى المستثنيات لمعالجة ذلك. وإن شئت قلت : الأحكام الثانوية كلّها تدور على موضوعاتها، فإذا انتفت انتفت، وموضوع الضرورة والاضطرار أمر عارضي غالباً ما ينتفي بعد مضي زمن ولايبقى مدى الأعصار والقرون عادة، فبناء غالب أحكام الدين عليها لايناسب خلود الشريعة وقدرتها على إدارة الحياة وحل معضلاتها. التنبيه الثاني : قد يقع الإفراط والتفريط في الاعتماد على العناوين الثانوية، فيؤخذ بالضرورة والاضطرار في كلّ شيء فيه كلفة ما، مع أنّ غالب الاُمور في حياة الإنسان لا تخلو عن كلفة، وجميع التكاليف فيها كلفة ما; ولذا سمّي تكليفاً، فلا يمكن رفع اليد بمجرّد ذلك والحكم بحلّية كلّ محرّم; لأنّ في تركه كلفة يسيرة وإلاّ انفتح باب ارتكاب الكبائر والصغائر على الناس، وقد رأينا بعض مَن لا خبرة له بالأحكام وموضوعاتها في عصرنا هذا يتوقّع ارتفاع الحرمة عن الكبائر والصغائر بمجرّد أدنى ضرورة خفيفة، ولو كان الأمر كذلك فعلى الإسلام السلام. وبالعكس نرى بعض الأفراد يوسوس في جريان لا ضرر في أبواب النكاح وغيرها، وكذا لايرى كفاية العسر والحرج الشديد في تجويز بعض الممنوعات، مع ما ورد من أنّه ما من شيء حرّمه الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه(1)، قال الله تعالى : (وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرْج)(2)، ومفهوم الدين واسع جدّاً. التنبيه الثالث : هناك أربعة أقسام من الحكم : 1 ـ الحكم الجاري على العناوين الأولية كوجوب الصلاة وحرمة الخمر. ــــــــــــــــــــــــــــ (1) الوسائل : ج 4 ص 273 ب 13 من لباس المصلّي ح 6. ولفظ الحديث : «ليس شيء ممّا حرّم الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه». (2) الحجّ : 78.