[444] والطاقات، وتعاطي الأفكار بعضها ببعض، كما هو ظاهر، فالإنسان إذا عاش في غير المجتمع كان كأحدالحيوانات، وإنّما اعطاه الله الميل والتجاذب نحو هذا اللون من الحياة كي يحصل على هذه المنافع العظيمة، والكمال اللائق بحاله في جانبيه المعنوي والمادي، وقد أكد الشارع المقدس الإسلامي على الاحتفاظ بهذا النوع من الحياة، وجعله كأصل ثابت، وكحجر أساسي في جميع أحكامه وقوانينه، كما لايخفى على من سبر أحكام الإسلام بالدقة والتأمّل. ثمّ من الواضح أن حياة الإنسان في المجتمع، على رغم شتى البركات والمنافع الضرورية، لا تخلو عن منافسات واختلافات ومنازعات، لا لغلبة الشهوات على الناس فحسب، بل لما يقع هناك من الخطأ في تشخيص الحقوق وحدودها، فلابدّ لهم من قوانين تبين لهم ما يستحق كلّ واحد منهم، وما هو طريق التخلّص من التزاحم وردّ التعدي والتجاوز، وغير ذلك، وهذه القوانين بنفسها لا أثر لها في نفي هذه الاُمور، حتّى يكون هناك من ينفذها ويجريها، ولايتحقق ذلك إلاّ بقيام الحكومة ولو بشكل بسيط. ولذا اتّفق المتكلمون من أصحابنا وغيرهم، على أن الإمامة واجبة بين المسلمين إلاّ ما قد يحكى عن أبي بكر الأصم من العامّة أنها غير واجبة، إذا تناصفت الاُمة ولم تتظالم، وهو شاذ جدّاً(1). وكذا اتفق العقلاء من جميع الاُمم على ضرورة الحكومة للمجتمعات البشرية عدا ما يلوح من الشيوعيين من عدم لزومها بعد تحقّق التكامل لابناء البشر، وبعد طرد النظام الطبقي فإن الحكومة إنّما شرّعت لحفظ مصالح الطبقة الحاكمة، فإذا انتفى هذا النظام انتفت الحكومة. ــــــــــــــــــــــــــــ (1) حكاه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج 2 ص 308.