[ 136 ] وأما ضيق القبر عن العقاب فانه يجوز أن يوسعه الله تعالى حتى يمكن ذلك، وان كان المتولي لذلك الملائكة فلا يحتاجون إلى سعة موضع. وإذا كان العقاب مستحقا فانه يجوز أن يكون في تقديم بعضه مصلحة للمكلفين من البشر والملائكة، فيقدم منه بعضه في الدنيا كالحدود وبعضه في القبر، لما في الاخبار به من المصلحة في دار التكليف. ومتى قال لا حال ينبش فيها الميت الا ويوجد على ما هو عليه، فأما من قال ليس لعذاب القبر وقت لا يلزمه ذلك، ومن قال هو عقيب الدفن يقول لا يمتنع أن لا يعقل إذا أردنا نبش القبر لما فيه من المصلحة. ومتى قيل: لو عوقب لوجب أن يكون عاقلا قادرا على الكلام فكان يسمع كلامه. قلنا: كمال العقل لا بد منه، فلا يجب أن يكون قادرا على الكلام اما بأن لا يكون فيه قدرة أصلا أو يكون ممنوعا منه. وأما الملكان النازلان عليه فانما سميا منكرا ونكيرا اشتقاقا من استنكار المعاقب لفعلهما أو نفوره عنهما، وليس بمشتق من الانكار. وأما المحاسبة والمسألة في الموقف - وان كان الله تعالى عالما بأحوالهم لانه عالم لنفسه - لا يمتنع أن يكون في تقديمه غرض، لان بالمحاسبة والمسألة وشهادة الجوارح يظهر الفرق بين أهل الجنة والنار ويتميز بعضهم من بعض فيسر بذلك أهل الجنة ويكثر بذلك نفعهم، ويكون لنا في العلم به مصلحة في دارا التكليف. والاجماع حاصل على المحاسبة والقرآن يشهد به لقوله تعالى " وكفى بنا حاسبين " 1). وكذلك شهادة الجوارح ونشر الصحف مجمع عليه، والقرآن شاهد به، ________________________________________ 1) سورة الانبياء: 47. ________________________________________