[ 171 ] على ما يقاربه، لان التفات بين الفصحاء لا ينتهي إلى حد يخرق العادة. على أن الفصحاء المعروفين والبلغاء المشتهرين في وقته كلهم كانوا منحرفين عنه، كالاعشى الكبير الذي هو في الطبقة الاولى ومن أشبهه مات على كفره، وكعب بن زهير أسلم في آخر الامر وهو في الطبقة الثانية وكان من أعدى الناس له عليه السلام، ولبيد بن ربيعة والنابغة الجعدي من الطبقة الثالثة أسلما بعد زمان طويل، ومع هذا لم يحظيا في الاسلام بطائل. على أنه لو كان ينبغي أن يوافقوه على ذلك ويقولون له الفصحاء المبرزون واطأوك ووافقوك، فان الفصحاء في كل وقت لا يخفون على أهل الصناعة. فان قيل: لم لا يكون النبي عليه السلام أفصح العرب فلذلك تأتى منه القرآن وتعذر على غيره، أو تعمل ذلك في زمان طويل فلم يتمكنوا من معارضته في زمان قصير. قيل: هذا لا يتوجه على من يقول بالصرفة، لان القائلون بها يقولون ان مثل ذلك كان في كلامهم وخطبهم وانما صرفوا عن معارضته في المستقبل، فلا معنى لكونه أفصح. ومن قال جهة الاعجاز الفصاحة يقول كونه أفصح لا يمنع من أن يقارنوه أو يدانوه، وذلك هو المطلوب المعتاد بينهم في المعارضة، فان جعلوه أفصح وانه خرق العادة بفصاحته كفى ذلك لاهل الاعجاز. على أن كونه أفصح لا يمنع من مساواته ومقارنته في قليل من الكلام الذي يتأتى به سورة قصيرة بذلك خرق العادة. ألا ترى أن المتقدمين من الشعراء وان كانوا أفصح من المتأخرين لا يمنع أن يقع منهم البيت والبيتان من مثل فصاحة أولئك. ثم لو كان الامر على ما قالوه لوافقوه على ذلك وقالوا له أنت أفصحنا فلذلك تأتى منك ما تعذر علينا، فيكون في ذلك ابطال أمره وان كان فيه اعتراف له بفضل لا يضرهم وانما يضرهم السكوت عنه. ________________________________________