[ 174 ] السلام فأنزل الله تعالى هذه الاية " ثم فكر وقدر * فقتل كيف قدر " إلى قوله " ان هذا الا سحر يؤثر ". فمن دفع فصاحة القرآن لم يكن في حيز من يكلم. وأما اختصاصه بالنظم معلوم ضرورة لانه مدرك مسموع وليس في شئ من كلام العرب ما يشبه نظمه من خطب ولا شعر على اختلاف انواعه وصفاته، فاجتماع الامرين منه لا يمكن دفعهما. فان قيل: لو كان القرآن خارقا للعادة بفصاحته لوجدنا الفرق بين كلام أفصح العرب وبينه كما وجدنا الفرق بين كلام شعراء المتقدمين وبين شعراء المحدثين الركيك وهما معتادان وكان ذلك أولى من حيث كان أحدهما معتادا والاخر خارقا للعادة. وإذا لم نجد ذلك دل على أنه ليس بخارق للعادة بفصاحته. قلنا: هذا السؤال انما يلزم من ادعى خرق العادة بفصاحته فقط دون من اعتبر الفصاحة والنظم وليس يمكن اجتماعهما في شئ من كلام العرب فيعلم كيفية الفصاحة والفرق بينهما. فان قيل: النظم مقدور لكل أحد وانما الفصاحة هي المعتبرة. قلنا: أول ما نقول ان النظم أيضا يحتاج إلى علم مخصوص ولذلك تختلف الاحوال فيه، فيتأتى من بعضهم الخطب ولا يتأتى منه الشعر والاخرون يتأتى منهم الشعر ولا يتأتى منهم الخطب، ولا يكفي في النظم مجرد القدرة ولم نجدهم نظموا شيئا مثل هذا القرآن، فمن أين لنا أنه كان يتأتى منهم. على أنه لو كان النظم مقدورا لم يمتنع أن يكونوا متى أرادوا الفصاحة المفرطة في هذا النظم لم يتأت منهم وان تأتت منهم في الشعر والخطب. ألا ترى أن في الناس من يكون أخطب الناس وأبلغهم فيها فإذا نظم الشعر كان ركيكا، وكذلك من قال الشعر البليغ الذي فيه الغاية لا يحسن أن يكتب كتابا ________________________________________