[ 176 ] من هذا الباب، فلو سلبهم الله هذه العلوم لكانوا خرجوا من كمال العقل، ولو كان كذلك لظهر واشتهر وكان يكون أبلغ في باب الاعجاز من غيره. ولما لم يعلم كونهم كذلك وان العرب لم يتغير حالهم في حال من الاحوال دل ذلك على أنهم لم يسلبوا العلوم، وإذا لم يسلبوها وهم متمكنون من مثل هذا القرآن كان يجب أن يعارضوا، وقد بينا أن ذلك كان متعذرا منهم، فبطل هذا القول. فان قيل: هل لا جعل القرآن في غاية الفصاحة التي لا تشتبه على أحد ممن سمع. قلنا: المصلحة معتبرة في ذلك، ولو لزم ذلك للزم أن يقال المعتبر هو الصرف لم لم يجعل القرآن من أرك الكلام وأقله فصاحة فكان يكون أبلغ في باب الاعجاز. وليس يلزم في المعجز أن يبلغ الغاية القصوى. ألا ترى أن الله تعالى لم يجب قريشا إلى جعل الصفا ذهبا والى احياء عبد المطلب ونقل جبال تهامة من مواضعها والى تفجير الارض لهم ينبوعا، لان المصلحة معتبرة مع كونها خارقة للعادة وليس تكون المعجزات على قدر الاماني والشهوات. فان قيل: لم لا يجوز ان يكون القرآن من فعل بعض الجن ألقوه إلى النبي صلى الله عليه وآله ليضل به الخلق، يمكنهم أن يدعوا أن فصاحة الجن ليس فصاحة العرب ولا أنه ليس لهم علم بكيفية هذا النظم المخصوص، لانه لا طريق لكم إلى ذلك بل يكفي التجويز في هذا الباب، لان معه لا يمكن القطع على أنه من فعل الله تعالى. وأيضا فان النبي يدعي أن ملكا نزل عليه بهذا القرآن، فلم لا يجوز أن يكون ذلك الملك كاذبا ولا يمكنهم ادعاء عصمة الملائكة، لان ذلك معلوم بالسمع الذي لم يثبت بعد صحته، وعادة الملائكة أيضا في الفصاحة غير معلومة. قلنا: الجواب على هذا السؤال من وجوه: ________________________________________