[ 292 ] أن يكون لديهم اصرار على الآخرين. وفي ختام الآية يقول تعالى (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْر فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)(1). أجل، فإنّ الأنفاق عمل إنساني وفضيلة أخلاقية وخاصة على من يتمتع بعزّة النفس وعلو الطبع وعفة الروح. وبديهي أنّ المراد من "العفة" في هذه الآية هي العفة في المسائل المالية لا الاُمور الجنسية، وقد ذكر بعض المفسّرين في شأن نزولها انها نزلت في "أصحاب الصفة" هؤلاء كانوا جماعة يبلغ عددهم أربعمائة نفر تقريباً من المسلمين المهاجرين من مكّة وضواحي المدينة الّذين لم يكن لديهم دارٌ في المدينة ولا معارف وأقرباء فيها ولا عمل يتكسبون فيه، ولكنهم في نفس الوقت يعيشون في غاية التعفف في مكان خاص إلى جوار مسجد النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان هؤلاء يتحركون نحو الجهاد في سبيل الله متى ما أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)وكانوا يتمتعون بعزّة النفس والتعفف الشديد بالرغم من حاجتهم الشديدة وما يشعرون به من جوع. وعلى أي حال فالقرآن الكريم ذكر هؤلاء في الآية محل البحث بتعبيرات مختلفة من المدح والثناء وجعلهم اُسوة لجميع المسلمين. في "الآية الثانية والثالثة" يتحدّث القرآن الكريم عن عفّة يوسف وطهارة ذيله في أحلك الظروف الّتي توفرت فيها جميع أسباب التورط في الإثم والمعصية ولكنَّ يوسف حفظ نفسه أمام تحديات الواقع وضغوط الحالة واستعاذ بالله تعالى، فنجح في هذا الامتحان الإلهي الكبير وخرج منه مرفوع الرأس، وكما يذكر القرآن الكريم واصفاً هذه الحالة والحادثة الّتي حدثت ليوسف وامرأة العزيز فيقول : (وَرَا وَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الاَْبْوَا بَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُ لاَيُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)(2). 1. سورة البقرة، الآية 272. 2. سورة يوسف، الآية 23.