[ 164 ] الأمانة تعدّ من معطيات العقل والتدبّر السليم والإلتفات إلى عواقب الاُمور ونتائج الأفعال. الأمانة هي دليل على أنّ الإنسان يعيش الواقع الحاضر ويرى حقائق الاُمور ويترك الخوض في الأوهام والخرافات والتصورات الزائفة. الأمانة تنبع من شخصية الإنسان السامية وتمثّل نتيجة لحالة التفاني والتعالي في الروح الإنسانية، لأنّ مثل هذا الإنسان لا يكون مستعداً لئن يبيع شخصيته ووجدانه لتحصيل المال والمقام وزخارف الدنيا عن طريق الخيانة. وبكلمة واحدة فإنّ الأمانة وليدة الفهم والشعور والعقل والإيمان والاخلاص وأصالة الشخصية، وأحياناً يكون الفقر والظلم عاملان من عوامل الخيانة، فمن لا يحصل على حقوقه المشروعة في المجتمع من الطرق الصحيحة ويقع تحت طائلة الفقر والعوز فإنّه قد يؤدّي به إلى التلّوث بالخيانة، ولهذا نرى أن التعاليم الدينية أكّدت على أن يموّل القاضي من بيت المال بشكل تام كيما يحفظ أمانته في القضاء بين الناس، ونقرأ في عهد الإمام علي أمير المؤمنين(عليه السلام)لمالك الأشتر أنّه يقول: "وَافسَحْ لَهُ فِي البَذلِ مـا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حـاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعطِهِ مِنَ المَنزِلَةِ لَديكَ مـا لا يَطمَعُ فِيهِ غَيرُهُ مِنْ خـاصَّتِكَ لَيأَمَنَ بِذَلِكَ إِغتِيالَ الرِّجـالَ لَهُ عِندَكَ فَانظُر فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً"(1). ونختم هذا البحث بحديث مهم عن الإمام الصادق(عليه السلام) في هذا الصدد يشير فيه إلى مصادر الخيانة المتنوعة ويوصي بالتوجّه إليها لحفظ الأمانة في واقع الإنسان والمجتمع فيقول: "مَنْ اُؤتُمِنَ عَلى أَمـانَة فَأَدّاهـا فَقَد حَلَّ أَلفَ عُقدَة مِنْ عُقَدِ النّارِ، فَبـادِرُوا بِأَداءِ الأَمـانَةِ، فَإنَّ مَنْ اُؤتِمِنَ عَلى أَمـانَة وَكَّلَ بِهِ إبلِيسَ مِائةَ شَيطان مِنْ مَردَةِ أَعوانِهِ لِيُضِلُّوهُ وَيُوسوِسُوا إِلَيهِ حتّى يُهلِكُوه إلاّ مَنْ عَصَمَُ اللهُ عَزَّوَجَلَّ"(2). 1. نهج البلاغة، الرسالة 53. 2. بحار الانوار، ج72، ص114.