[ 407 ] والمحبّة بين قلوب المسلمين، ومن الواضح أنّ حالة العزلة والانزواء لا تنسجم مع روح هذه التعاليم الدينية. 8 ـ وورد في حديث آخر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أيضاً أنّه قال عندما أراد أحد الأشخاص التوجّه إلى الجبل والاعتزال لغرض العبادة: "لَصَبرُ أَحَدِكُم سـاعَةً عَلى مـا يَكرَهُ فِي بَعضِ مَواطِنَ الإِسلامِ خَيرٌ مِنْ عِبـادَتِهِ خـالِياً أَربَعِينَ سَنَةً"(1). 9 ـ ويستفاد من الروايات المتعددة أنّ الإسلام نهى عن الرهبانية التي تتضمّن الانزواء والعزلة ومن ذلك ما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله أنّه قال: "لَيسَ فِي اُمَّتِي رَهبـانِيَّةَ وَلا سِيـا حَةَ"(2). والمراد من الرهبانية في هذا الحديث الشريف هو اختيار مكان منعزل للعبادة، وأمّا السياحة فهي الانزواء السيّار، لأنّ بعض الأشخاص كانوا في قديم الأزمان يتركون بيوتهم ومحل معيشتهم ويسيحون في أرض الله الواسعة ويتركون الدنيا ويعتبرون ذلك نوعاً من العبادة، وعلى هذا الأساس فإنّ الإسلام لا يؤيد العزلة الثابتة ولا العزلة السيّارة. 10 ـ وقد ورد في الحديث العميق المعنى عن أنس قال: توفي ابن لعثمان بن مظعون(رضي الله عنه)فاشتدّ حزنه عليه حتّى اتّخذ من داره مسجداً يتعبد فيه، فبلغ ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال له: "يـا عُثمـانُ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعـالى لَم يَكتُبْ عَلَينـا الرِّهبـانِيَّةَ، إِنَّمـا رَهبـانِيَّةُ اُمَتِّي الجِهـادُ فِي سَبيلِ اللهِ". ثم إنّه(صلى الله عليه وآله) أخذ يواسيه على فقد ابنه وقال: "يـا عُثمان بن مظعون للجنّةِ ثَمانيةِ أبواب، وللنّارِ سبعة أبواب أَفما يَسُّركَ أَن تَأَتِي بـاباً مِنها إلاّ وَجدتَ ابنَك إِلى جَنبِكَ آخذاً بِحجزَتِكَ يَشفَعُ لَكَ إِلى رَبِّكَ؟ قَال: بلى"(3). 11 ـ ومثل هذا المعنى ورد أيضاً في نهج البلاغة بالنسبة إلى أحد أصحاب الإمام علي(عليه السلام) عندما دخل الإمام البصرة وذهب لزيارة (علاء بن زياد الحارثي) فعندما 1. ميزان الحكمة، ج3، ص1966، 12914. 2. بحار الانوار، ج67، ص115. 3. بحار الانوار، ج67، ص114.