(116) منهم) هو زوجته فقط، ولما رأي نوح أنّ الولد أدركه الغرق تخالج في قلبه أنّه كيف يجتمع وعده سبحانه بإنجاء جميع الاَهل مع هلاك ولده؟ وعند ذلك اعتراه الحزن ورفع صوته بالدعاء منادياً: (انّ ابني من أهلي)من دون أن يسأل منه شيئاً بل أظهر ما اختلج في قلبه من الصراع والتضاد بين الاَمرين: الاِيمان بصدق وعده، كما يفصح عنه قوله: (انّ وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين)وغرق ولده وهلاكه. وعلى هذا الفرض لم يكذب نوح (عليه السلام)حتى بكلمة واحدة، بل لما فهم من قوله (وأهلك)نجاة مطلق المنتمين إليه بالوشيجة الرحمية أو السببية، أبرز ما فهم وقال: (انّ ابني من أهلي)، فلا يعد الإنسان كاذباً عند نفسه إذا أبرز ما اعتقده وأفرغه في قالب القول وان كان المضمون خلاف الواقع في حد نفسه، وحينئذ أجابه سبحانه بأنّ الموعود بإنجائهم هم الصالحون من أهلك لا مطلق المنتمين إليك بالوشائج الرحمية أو السببية. وبعبارة أُخرى: انّ ولدك وإن كان من أهلك حسب الوشيجة الرحمية، لكنّه ليس من الاَهل الذين وعدت بنجاتهم وخلاصهم. وبعبارة ثالثة: (انّ ابنك)داخل في المستثنى، أعنى قوله: (إلاّ من سبق عليه القول منهم)كما أنّ زوجتك داخلة فيه أيضاً. وهذا الجواب على صحة الفرض تام لا غبار عليه، لكن أصل الفرض وهو كون ابن نوح متظاهراً بالكفر وكان الاَب واقفاً عليه غير تام لما فيه: أوّلاً: انّ من البعيد عن ساحة نوح (عليه السلام) أن يطلب من الله سبحانه أن لا يذر على الأرض من الكافرين ديّاراً، كما يعرب عنه قوله سبحانه حاكياً عنه (عليه السلام): (وَقَالَ نُوحٌ رَبّ لا تَذَرْ عَلَى الا ََرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إلاّ فَاجِراً كَفَّاراً) (1)، ويتبادر إلى ذهنه من قوله ____________ 1 . نوح: 26 ـ 27.