(122) تقديم ما يبقيه (عليه السلام) على سمة العصمة، والموعظة لا تستدعي وقوع الذنب وصدوره بل ربّما يكون الهدف التحفّظ على أن لا يصدر الذنب منه في المستقبل، ولذلك امتثل (عليه السلام) نهي ربّه وقال: (أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم) (1). جواب ثالث للوجه الثاني هذا وللعلاّمة الطباطبائي جواب ثالث أمتن من الجوابين السابقين حيث قال: إنّ قول نوح: (رب انّ ابني من أهلي وانّ وعدك الحق) في مظنة أن يسوقه إلى سوَال نجاة ابنه، وهو لا يعلم أنّه ليس من أهله، فشملته العناية الاِلهية وحال التسديد الغيبي بينه وبين السوَال فأدركه النهي بقوله: (فلا تسألن ما ليس لك به علم) بتفريع النهي على ما تقدّم، مخبراً نوحاً بأنّ ابنك ليس من أهلك، لكونه عملاً غير صالح، فلا سبيل لك إلى العلم به، فإيّاك أن تبادر إلى سوَال نجاته، لاَنّه سوَال ما ليس لك به علم، والنهي عن السوَال بغير علم لا يستلزم تحقق السوَال منه لا مستقلاً ولا ضمناً، والنهي عن الشيء لا يستلزم الارتكاب قبلاً ، وانّما يتوقف على أن يكون الفعل اختيارياً ومورداً لابتلاء المكلّف، فإنّ من العصمة والتسديد أن يراقبهم الله سبحانه في أعمالهم، وكلّما اقتربوا مما من شأنّه أن يزل فيه الإنسان نبههم الله لوجه الصواب، ودعاهم إلى السداد والتزام طريق العبودية، قال تعالى: (وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأَذَقْناكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَتَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً) (2) وممّا يدل على أنّ النهي في قوله (فلا تسألن) نهى عمّا لم يقع بعد، قول ____________ 1 . الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال للاِمام ناصر الدين الاسكندري المالكي: 2|101 على هامش الكشاف. 2 . الاِسراء: 74 ـ 75.