(201) قال: هذا من القدر لا من القدرة. ثم أضاف صاحب الكشاف: يصح أن يفسر بالقدرة على معنى "أن لن نعمل فيه قدرتنا"، وأن يكون من باب التمثيل، بمعنى فكانت حاله ممثلة بحال من ظنّ أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لاَمر الله ، ويجوز أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان ثم يردعه ويردّه بالبرهان، كما يفعل الموَمن المحقق بنزعات الشيطان وما يوسوس إليه في كل وقت. (1) ولا يخفى أنّ ما نقله عن ابن عباس هو المعتمد، بشهادة استعماله في القرآن بمعنى الضيق، وهو المناسب لمفاد الآية، وأمّا الوجهان الآخران فلا يصح الركون إليهما، خصوصاً الوجه الاَخير، لاَنّ الأنبياء أجل شأناً من أن تحوم حول قلوبهم الهواجس الشيطانية حتى يعودوا إلى معالجتها بالبرهان، فليس له سلطان على المخلصين من عباده، وقد اعترف بذلك الشيطان وقال كما يحكيه سبحانه: (إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (2) وأمّا السوَال الثالث: فقد مرّ أنّ الظلم في اللغة بمعنى وضع الشيء في غير موضعه، ولا شك أنّ مفارقته قومه وتركهم في الظرف القلق العصيب كان أمراً لا يترقب صدوره منه، وإن لم يكن عصياناً لاَمر مولاه، فالعطف والحنان المترقب من الأنبياء غير ما يترقب من غيرهم، فلأجل ذلك كان فعله واقعاً غير موقعه. ومن المحتمل أن يكون الفعل الصادر منه في غير موقعه هو طلبه العذاب لقومه وترك المصابرة، ويوَيده قوله سبحانه: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) (3)، فالظاهر أنّ متعلّق النداء في الآية ____________ 1 . الكشاف: 2|335 ـ 336. 2 . ص: 83. 3 . القلم: 48.