(226) فهذه الحوادث الدامية عند قريش، المرّة في أذواقهم بما أنّها جرّت إلى ذهاب كيانهم، وحدوث التفرقة في صفوفهم، والفتك بصناديدهم على يد النبي الاَكرم، صوّرته في مخيلتهم وخزانة أذهانهم صورة إنسان مجرم مذنب قام في وجه سادات قومه، فسب آلهتهم وعاب طريقتهم بالكهانة والسحر والكذب والافتراء، ولم يكتف بذلك حتى شن عليهم الغارة والعدوان فصارت أرض يثرب وما حولها، مجازر لقريش، ومذابح لاَسيادهم، فأىّ جرم أعظم من هذا، وأي ذنب أكبر منه عند هوَلاء الجهلة الغفلة، الذين لا يعرفون الخيّـر من الشرير ، والصديق من العدو، والمنجي من المهلك؟ فإذن ما هو الاَمر الذي يمكن أن يبرئه من هذه الذنوب ويرسم له صورة ملكوتية فيها ملامح الصدق والصفاء، وعلائم العطف والحنان حتى تقف قريش على خطئها وجهلها. إنّ الاَمر الذي يمكن أن ينزّه ساحته من هذه الاَوهام والاَباطيل، ليست إلاّ الواقعة التي تجلّت فيها عواطفه الكريمة، ونواياه الصالحة، حيث تصالح مع قومه ـ الذين قصدوا الفتك به وقتله في داره، وأخرجوه من موطنه ومهاده ـ بعطف ومرونة خاصة، حتى أثارت تعجب الحضّار من أصحابه ومخالفيه، حيث تصالح معهم على أنّه "من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليّه ردَّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممّن مع محمد لم يردّوه عليه، وأنّه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه".(1) وهذا العطف الذي أبداه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذه الواقعة مع كونه من القدرة بمكان، وقريش في حالة الانحلال والضعف، صوّر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند قومه ____________ 1 . السيرة النبوية لابن هشام: 2|317 ـ 318. ط2، 1375 هـ .