(283) ج. ما تقدم من أنّه سبحانه بدأ كلامه في هذه الآية بلفظة (وكذلك)، أي كما أوحينا إلى من تقدّم من الأنبياء كذلك أوحينا إليك بإحدى هذه الطرق (روحاً من أمرنا) ووجه الاشتراك بينه وبين النبيين، هو الوحي المتجلّـي في نبينا بالقرآن وفي غيره بوجه آخر . كل ذلك يوَيد أنّ المراد منه هو القرآن الملقى إليه، نعم وردت في بعض الروايات أنّ المراد منه هو (روح القدس) ولكنه لا ينطبق على ظاهر الآية، لاَنّ "الروح" بحكم كونه مفعولاً لـ (أوحينا) يجب أن يكون شيئاً قابلاً للوحي حتى يكون "موحاً" وروح القدس ليس موحاً، بل هو الموحي بالكسر، فكيف يمكن أن يكون مفعولاً لـ (أوحينا)؟ ولاَجله يجب تأويل الروايات إن صح اسنادها. الثاني: انّ هيئة (ما كنت) أو (ما كان) تستعمل في نفى الاِمكان والشأن قال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ) (1)، وقال عزّ اسمه: (وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنْفِرُوا كَافَّة)(2). وقال تعالى حاكياً عن بلقيس: (مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُون) (3) وعلى ضوء هذا الاَصل يكون مفاد قوله: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الاِيمان) انّه لولا الوحي ما كان من شأنك أن تدري الكتاب ولا الاِيمان، فإن وقفت عليهما فإنّما هو بفضل الوحي وكرامته. الثالث: انّ ظاهر الآية أن النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان فاقداً للعلم بالكتاب والدراية للاِيمان، وإنّما حصلت الدراية بهما في ظل الوحى وفضله، فيجب ____________ 1 . آل عمران: 145. 2 . التوبة: 122. 3 . النمل: 32.