(284) إمعان النظر في الدراية التي كان النبي فاقداً لها قبل الوحى وصار واجداً لها بعده، فما تلك الدراية وذاك العلم؟ فهل المراد هو العلم بنزول الكتاب إليه اجمالاً، والاِيمان بوجوده وتوحيده سبحانه؟ أو المراد العلم بتفاصيل ما في الكتاب والاِذعان بها كذلك؟ لا سبيل إلى الاَوّل، لاَنّ علمه إجمالاً بأنّه ينزل إليه الكتاب، أو إيمانه بوجوده سبحانه كانا حاصلين قبل نزول الوحي إليه، ولم يكن العلم بهما مما يتوقف على الوحي، فإنّ الاَحبار والرهبان كانوا واقفين على نبوته ورسالته ونزول الكتاب إليه في المستقبل إجمالاً ، وقد سمع منهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في فترات مختلفة ـ أنّه النبي الموعود في الكتب السماوية، وأنّه خاتم الرسالات والشرائع، فهل يصح أن يقال: إنّ علمه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنزول كتاب عليه إجمالاً كان بعد بعثته وبعد نزول الوحي؟ أو أنّه كان متقدّماً عليه وعلى بعثته؟ ومثله الاِيمان بالله سبحانه وتوحيده إذ لم يكن الاِيمان بالله أمراً مشكلاً متوقفاً على الوحي، وقد كان الاَحناف في الجزيرة العربية ومن جملتهم رجال البيت الهاشمى، موحدين موَمنين مع عدم نزول الوحي إليهم. وبالجملة: العلم الاِجمالي بنزول كتاب إليه والاِيمان بوجوده وتوحيده، لم يكن أمراً متوقفاً على نزول الوحي حتى يحمل عليه قوله: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الاِيمان). وعندئذ يتعين الاحتمال الثاني، وهو أنّ العلم التفصيلى بمضامين الكتاب وما فيه من الاَُصول والتعاليم والقصص ـ ثم الاِيمان والاِذعان بتلك التفاصيل ـ كانا متوقفين على نزول الوحي، ولولاه لما كان هناك علم بها ولا إيمان. وإن شئت قلت: العلم والاِيمان بالاَُمور السمعية التي لا سبيل للعقل عليها ـ كالمعارف والاَحكام والقصص ومحاجة الأنبياء مع المشركين والكفّار وما