(386) بالاشياء منذ الازل لا يزاحم ولا ينافي قدرته تعالى عليها حين إيجادها، فإن الممكن لا يزال منوطا بتعلق مشيئة الله بوجوده التي قد يعبر عنها بالاختيار، وقد يعبر عنها بالارادة، فإن تعلقت المشيئة به وجد وإلا لم يوجد. والعلم الالهي يتعلق بالاشياء على واقعها من الاناطة بالمشيئة الالهية، لان انكشاف الشئ لا يزيد على واقع ذلك الشئ، فإذا كان الواقع منوطا بمشيئة الله تعالى كان العلم متعلقا به على هذه الحالة، وإلا لم يكن العلم علما به على وجهه، وانكشافا له على واقعه. فمعنى تقدير الله تعالى للاشياء وقضائه بها: أن الاشياء جميعها كانت متعينة في العلم الالهي منذ الازل على ما هي عليه من أن وجودها معلق على أن تتعلق المشيئة بها، حسب اقتضاء المصالح والمفاسد التي تختلف باختلاف الظروف والتي يحيط بها العلم الالهي. موقف اليهود من قدرة الله: وذهبت اليهود إلى أن قلم التقدير والقضاء حينما جرى على الاشياء في الازل استحال أن تتعلق المشيئة بخلافه. ومن أجل ذلك قالوا: يد الله مغلولة عن القبض والبسط والاخذ والاعطاء، فقد جرى فيها قلم التقدير ولا يمكن فيها التغيير (1)، ومن الغريب أنهم ـ قاتلهم الله ـ التزموا بسلب القدرة عن الله، ولم يلتزموا بسلب القدرة عن العبد، مع أن الملاك في كليهما واحد، فقد تعلق العلم الازلي بأفعال الله تعالى، وبأفعال العبيد على حد سواء. موقع البداء عند الشيعة: ثم إن البداء الذي تقول به الشيعة الامامية إنما يقع في القضاء غير المحتوم، أما المحتوم منه فلا يتخلف، ولا بد من أن تتعلق المشيئة بما تعلق به القضاء، وتوضيح ذلك أن القضاء على ثلاثة أقسام: ـــــــــــــــــــــــــ (1) انظر التعليقة رقم (10) لمعرفة بعض الاخبار الدالة على مشيئة الله تعالى ـ في قسم التعليقات. (*)